الجولة التي بدأها الرئيس أوباما الثلاثاء الماضي، والتي تشمل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين، تأتي امتداداً لتحالف بدأ بنسجه خلال ولايته الأولى، يضم بلدان عدة بينها أستراليا. ويقوم هذا التوجه، حسب تسويغ الإدارة، على فكرة تعزيز وتحصين الحضور الأميركي في حوض الباسفيك الآسيوي الذي بدأ يتحوّل إلى مركز الثقل الاستراتيجي العالمي. فهو موطن القوتين الاقتصاديتين الثانية والثالثة في العالم.

وبالتحديد الصعود الصيني الذي يتقدّم لتبوء موقع القوة العظمى الإقليمية، مع ما ينطوي عليه ذلك من مزاحمة إن لم يكن تهديداً للهيمنة الأميركية البحرية والاستراتيجية كما لحلفاء واشنطن في المنطقة.

واكب هذا التوجه الذي يدعمه فريق وازن من الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن، إشارات وتلميحات بأن الإدارة تنوي سحب جزء من قوتها البحرية في المنطقة وإلحاقها بأسطولها في الباسفيك وبحر الصين، في ضوء تزايد أهمية ذلك المسرح المحكوم بصراع متزايد على النفوذ الذي احتكرته واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية.

الزيارة التي جرى تأجيلها في أكتوبر الماضي بسبب الخلاف على الموازنة وما استتبعه من إقفال للدوائر الحكومية، ليست اقتصادية. المفاوضات التجارية الجارية حول "الشراكة عبر الباسفيك" وموضوع الإصلاحات الاقتصادية في اليابان، والخلافات حول فتح أسواقها للمنتجات الزراعية والسيارات الأميركية الصنع، أمور هامة بالنسبة لواشنطن..

ولا بدّ أن تكون حاضرة على طاولة المباحثات، لكن "الهدف المركزي من الجولة يتمحور حول تجديد الالتزام بتحقيق التوازن في السياسة الخارجية لمصلحة منطقة الباسفيك الآسيوية" حسب خبراء في "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية" بواشنطن. ومثل هذا التوجه الأميركي له أرضية آسيوية خصبة. "معظم دول المنطقة ترحب بالدور الدبلوماسي كما بالحضور العسكري الأميركي المتزايد هناك.

وهذا ما تبيّنه الخطط الجارية لإعادة تخصيص المواقع للقواعد البحرية والجوية، فضلاً عن الدور القيادي الذي تضطلع به واشنطن في مفاوضات "الشراكة عبر الباسفيك" التجارية، حسب دراسة المركز. في الحقيقة هو احتماء بالقوة الأميركية خشية من الصين، أكثر مما هو ترحيب بها. وواشنطن تعمل على توظيف هذا التخوف الذي تزايد جراء خلافات وأحيانا احتكاكات بين بكين ومعظم دول الجوار في جنوب وشرق بحر الصين.

لكن مقابل هذه الأبواب المفتوحة، هناك "التباس" وربما نوع من "عدم الاطمئنان" لدى هذه البلدان، إزاء الضمانات والتطمينات التي تقدمها لها واشنطن. "مدى التزامها موضع تساؤل"، في ضوء تجربة التعهدات الأميركية الخاوية في ساحات أخرى، كما في ضوء علاقات واشنطن مع الصين .

والتي تعطيها أميركا أولوية كبيرة. في هذا الصدد، ينسب مايكل شارتوف وزير الأمن الداخلي في عهد أوباما، 2005 2009 ، إلى مسؤول آسيوي قوله بأن تراجع البيت الأبيض في سوريا، يعطي "المبرر للتشكيك في عزم الولايات المتحدة على الوقوف مع حلفائها بوجه الصين". وكثيراً ما جرى التذكير وما زال اثناء الأزمة الأوكرانية بـ"الخط الأحمر" السوري وتراجع الرئيس أوباما عنه.

ثم جاءت قضية القرم وأحداث شرق أوكرانيا لتزيد من الارتياب الآسيوي، بمدى جدية التعهدات الأمنية الأميركية في المحيط الصيني. خاصة وان الإدارة وبلسان نائب الرئيس بايدن وغيره من كبار المسؤولين، سبق لهم أن رحّبوا بفكرة "النموذج الجديد لعلاقات القوى العظمى بين الصين والولايات المتحدة" التي طرحها الرئيس الصيني جنبينغ. ترحيب ينطوي على التسليم بوضع الصين كقوة عظمى في محيطها، مع ما ينطوي عليه ذلك من تسليم بامتيازات يحظى بها عادة صاحب هذا الموقع.

لا تخفي واشنطن أنها تحرص على علاقات بنّاءة مع بكين، اقتصادية وأمنية. خاصة فيما يتعلق في التعامل مع كوريا الشمالية. يقابل ذلك التزامات دفاعية تجاه حلفائها في المنطقة. وبالذات اليابان وكوريا الجنوبية. تحقيق التوازن بين الاثنين، عملية دقيقة ومعقّدة.

لا سيما بعد تمديد الصين مؤخراً، لمداها السيادي الجوي ليشمل مجال الجزر المتنازع حولها مع اليابان، في بحر شرق الصين. ثم جاء تحريك الحساسيات القديمة بين حليفيها الياباني والكوري الجنوبي ليزيد من صعوبة تعزيز تحالفاتها هناك. لكن إدارة أوباما عازمة على المضي في توجهها الآسيوي الباسفيكي. فالمنطقة بالرغم من تعقيداتها وما يسودها من عوامل التنافر، ترى فيها واشنطن الكنز الاستراتيجي الأضمن والأهم.