أخذ النزاع الذي انفجر أواخر العام الماضي بين العملاقين الاقتصاديين الثاني والثالث حول جزر سانكاكو أو دياويو، دفعة زخم جديد من أزمة أوكرانيا وضم القرم إلى روسيا. أو هكذا بدا من الهواجس الأميركية والمخاوف اليابانية التي جرى التعبير عنها خلال جولة وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل الآسيوية الأخيرة. الخشية، خاصة في طوكيو، أن يكون ما قامت به موسكو لتثبيت ادعاء ملكيتها لشبه الجزيرة بقوة الأمر الواقع، قد شجّع بكين على نسخ السيناريو الروسي في اللحظة المناسبة. خاصة وأن واشنطن عجزت عن الردع وعن فرض التراجع على بوتين.

 صحيح أن هناك اتفاقية دفاع مشترك تلزم واشنطن بالدفاع عن حليفها الياباني ولم يكن هناك مثيلاً لها في الحالة الأوكرانية. لكن طوكيو غير مطمئنة كفاية، كما يشير خطاب العديد من أنخابها الذين يعكسون النبض الياباني العام والرسمي.

فالارتياب مصدره أن الولايات المتحدة قد لا تغامر بمواجهة مع الصين لو وضعت يدها على الجزر بالقوة، على أرضية الاعتقاد أن مصالحها الضخمة مع بكين لا تسمح بالمجازفة، كما أنها بحاجة إلى هذه الأخيرة لضبط كوريا الشمالية. ثم أن هذه الجزر لا قيمة استراتيجية أو اقتصادية لها، لاسيما وأنها غير مأهولة.

تهدئة الهواجس

لتهدئة هذه الهواجس اليابانية، عمل هاغل خلال مؤتمره الصحفي في طوكيو على مخاطبة بكين بلغة التحذير من " انتهاك سيادة الغير وتعديل الحدود بالقوة والإكراه، سواء تعلّق الأمر بجزر صغيرة في الباسفيك أو في بلد كبير في أوروبا "، وذلك في إشارة واضحة إلى القرم والتحذير من تكرار ما جرى فيها. كما طمأن طوكيو بشأن التزامات واشنطن الأمنية تجاهها.

لكن التحذير والتطمين شيء وترجمته عند اللزوم شيء آخر. وربما هنا يكمن التخوف الياباني. ففي إفادته الأخيرة أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، قال الادميرال صموئيل لوكلار، قائد القوات البحرية الأميركية في الباسفيك أن " الولايات المتحدة ليست على القدر المطلوب من الجاهزية لتنفيذ عملية إنزال عسكري ناجح لو أعلنت الصين الحرب من أجل استعادة الجزر ".

العجز الأميركي

وكان الادميرال جوناثان غرينارت قائد العمليات البحرية الأميركية ، قد كشف أما اللجنة عن قلقه " من عجز الولايات المتحدة على استعراض قوتها في منطقة يتواجد فيها خصم يمتلك قدرات متقدمة ".

كلام سمعته بكين التي قررت أخيرا، تجاهل طوكيو وعدم توجيه الدعوة لها للمشاركة في " الندوة البحرية لغرب الباسفيك " التي تعقد كل سنتين في واحدة من دول تلك المنطقة النائية التي تضم اميركا، أستراليا، كندا، تشيلي، الصين ، اليابان وعدد من البلدان الآسيوية الأخرى. وتتضمن الندوة عرض قطع بحرية عسكرية حديثة من الدول المشاركة.

واشنطن قررت الامتناع عن المشاركة في العرض احتجاجاً على استثناء اليابان من الحدث . لكنها ، أي واشنطن، لن تقاطع الندوة. وبذلك هي تبدي نصف تضامن مع طوكيو.

يذكر أن بكين رتّبت للوزير هاغل جولة على حاملة طائراتها الأولى " لياوننغ " التي باتت على وشك الدخول في الخدمة في المياه المجاورة. مثل هذه الإشارات تزيد من درجة الارتياب الياباني، التي عكستها ردود الخبراء اليابانيين الذين نسب إليهم القول: "إذا حصل هجوم على الجزر وامتنعت واشنطن عن الردّ، عندئذ عليها مغادرة قواعدها اليابانية التي بدونها لن تقوى على الاستمرار كقوة في حوض الباسفيك ".

كلام يحمل علامات مأزق قادم ستجد واشنطن نفسها أمامه، في حال تفاقم التأزم بين الجارين الكبيرين. وكل الدلائل والمؤشرات تعزّز المخاوف من احتدام أزمة الجزر تبعاّ لتأجج الروح الوطنية لدى الطرفين، مع كل ينطوي عليه ذلك من جنوح لتصفية حسابات قديمة من جهة، ورفض لهيمنة قوة عملاقة صاعدة في الإقليم على حساب جار كان في الماضي القريب يحتل موقع القوة المهيمنة.

ما تخشاه أوساط اميركية مدركة لحساسية وخطورة المرحلة الراهنة، أن تنجرّ واشنطن إلى ساحة صراع جديد قد تجد نفسها غير قادرة على كبته ولجمه بصورة دائمة وفي الوقت ذاته غير راغبة، خاصة في زمن هذه الإدارة، على الدخول طرفاً فيه. خاصة وأنه يأتي في فترة ازداد فيها تراجع وانكشاف القوة العظمى.