في ندوة نظّمتها مؤسسة "بروكنغز للدراسات والأبحاث" بواشنطن قبل أيام، وصف أمين عام حلف "الناتو"، فوغ راسموسين، التدخل الروسي العسكري في القرم بأنه يشكل "أخطر تهديد" للأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة. وأضاف قائلاً بأن هذا التطور جاء بمثابة "دعوة للناتو كي يستيقظ". شهادة بواقع حال الحلف المعطّل، من أقرب العارفين بأوضاعه.

 فالمؤسسة المناط بها الحفاظ على أمن أوروبا، واجهت التحدّي الروسي للغرض الذي قامت من أجله ، من دون قدرة على الرد تتعدّى "مساعدتنا لأوكرانيا التي أعتقد أنه علينا رفع منسوبها وأنا متأكد بأننا سنفعل ذلك"، على ما قال. كلامه العمومي عن الدعم، واضح فيه اعترافه بمحدودية ما يمكن أن يقوم به الحلف، في مثل هذه الحالة. إقرار سبق وتحدث عنه أكثر من خبير استراتيجي أميركي، منذ انفجار الأزمة في أوكرانيا. عاد وتكرّر بوضوح أكثر وحتى على لسان الرئيس أوباما. خياران ضعيفان

من بداية الأزمة الأخيرة كان الحلف أمام خيارين اثنين، لا يقوى أي منهما على الردع الميداني: إما الاكتفاء بالإدانة والشجب مع شيء من العقوبات الرمزية الأميركية - الأوروبية..

وإما القيام بخطوات عملية غير مباشرة ولكنها قد تستثير المزيد من الانقضاض الروسي الذي من شأنه تعقيد الأزمة ورميها في المجهول. مثل نشر قسم من قواته على الحدود البولندية مع أوكرانيا، على ما طالب بعض الصقور الأميركيين في أول الأمر، أو تعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية من خلال تزويدها بأسلحة متقدمة وغير ذلك. "مثل ذلك لا يخلو من المجازفة..

لكنه ضروري لاستباق أي خرق روسي لاحق للأراضي الأوكرانية"، كما يرى أحد الخبراء العسكريين. لكن الحلف بشقيه الأميركي والأوروبي اختار الأول. ليس في وارد ركوب المجازفة.

بوتين التقط الردّ المحدود، ليبني عليه، من خلال طرحه لخيار دبلوماسي يصب في النهاية في خدمة استراتيجيته من دون حاجة لاقتحامات عسكرية. عرض لقاء باريس بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف. إدارة أوباما الساعية في هذا الاتجاه، استجابت فوراً، على الرغم من دعوتها لعزل موسكو بعد القرم. فاجأتها موسكو بطلب لتحويل أوكرانيا إلى دولة فيدرالية بعد تعديل دستورها.

الطرح ملغوم، حسب اللقاءات الأميركية. "الغاية من الفيدرالية هي إضعاف السلطة المركزية وبما ينعكس ضعفاً على الأقاليم والأطراف، بحيث يصبح بالإمكان تحقيق اختراقات فيها" وبالتالي زعزعة تماسكها وتفكيكها، كما قالت أنجيلا ستانت أستاذة العلاقات الدولية بجامعة جورج تاون بواشنطن، في جوابها على سؤال "البيان".

ولحجب هذا التوجه، أوعز الكرملين غداة عرض الفكرة في لقاء باريس، بإجراء انسحاب جزئي للقوات الروسية المرابطة على طول الحدود الشرقية مع أوكرانيا. لكن هذه الخطوة لا علاقة لها بمقصده الأبعد. وبكل حال، تضيف ستانت: "ما زالت حشوده كافية للقيام بأية عملية".

سيناريو مستبعد

لا يسقط "الناتو" مثل هذا السيناريو من حسابه. يخشى حصوله ولو أنه مستبعد في المدى القريب. ذلك أن أوراقه غير مانعة . لذلك حرص راسموسن ومعه كل دول الحلف على ترك الباب مفتوحاً للحوار، كما لم يلوح بخيارات عسكرية، لا من قريب ولا من بعيد. فهو يدرك مدى ضعف القابلية لدى دول الحلف للتصدّي. ناهيك عن المواجهة.

ثم لو كانت متوفرة جدلاً، فإن القدرات الميدانية المتاحة الآن غير كافية. القوات الأميركية التي تشكل العمود الفقري للحلف انخفضت على المسرح الأوروبي بنسبة 85% عما كانت عليه قبل 25 سنة. كانت 400 ألف جندي. باتت حالياً أكثر بقليل من 65 ألف. وهكذا معداتها وأسلحتها. الأوروبيون أكثر حماساً للخفض، خاصة في موازنة الحلف. المطلوب من أعضائه تخصيص 2% من الناتج الوطني لكل دول عضو لموازنة "الناتو" .

في الواقع، لا يتجاوز معدل انفاقهم إلاّ ما يزيد بقليل على 1,5%، بينما حصة أميركا تزيد على 4%. بريطانيا تنوي سحب كل المتبقي من قواتها في ألمانيا، بعد اربع سنوات. وضعف الحماس لدور الحلف في الخارج، عكسته رمزية مشاركته في حربي العراق وأفغانستان ومسارعة المشاركين إلى الانسحاب المبكر. الحالة الليبية كانت الاستثناء، لأنها بلا كلفة .

الحالة الروسية، زادت من انكفاء الحلف. بل كشفته. مع ان تسليحه متفوق على الترسانة الروسية. الفارق أن موسكو قادرة على استخدام ما لديها. أو التلويح بها لفرض المخارج التي تخدم توجهاتها الإقليمية. وبذلك تضع "الناتو" في مأزق وجودي: هل له دور وما هو؟