قراءات أميركية عن مستقبل العلاقات مع موسكو

مشكلة القرم وخطر تكرار أزمة الصواريخ الكوبية

أميركا زادت من وجودها العسكري في دول البلطيق أرشيفية

ثمة خشية في واشنطن من أن تقود عملية التغيير السيادي التي يشهدها الوضع في شبه الجزيرة الأوكرانية القرم، إلى الانزلاق نحو نقطة يبهت معها كل ما سبقها. فإذا ما احتفظت الأزمة بمنحاها الراهن، وبقيت تطوراتها تتفاعل وتتسارع بالوتيرة نفسها مع انسداد احتمالات التسوية، عندئذ تصبح محكومة بأن تتحوّل إلى نوع من لعبة "حافة الهاوية " الحافلة بمخاطر جمّة من العيار الكبير.

فلا يستبعد المتشائمون ان تتصاعد الأمور إلى حدّ يتكرّر معه سيناريو شبيه بأزمة الصواريخ الكوبية الشهيرة، بحيث يجرّ عدم التراجع إلى إصرار مضاد وبما يؤدّي إلى تعميق المشكلة بخلق وقائع عنيدة على الأرض، لا يقوى أي طرف فيها على قبول ما أقامه الطرف الآخر منها. بذلك يدخل الوضع في دوامة مستعصية، من المتوقع أن تتوالى حلقاتها في أعقاب الاستفتاء المزمع إجراؤه في القرم يوم 17 الجاري.

فهذا الاستحقاق الذي حددته موسكو، لا تقتصر تداعياته على القرم التي بات وضعها بحكم المحسوم من حيث استتباعها لروسيا. الخطر يكمن في ردة الفعل في أوكرانيا وما قد يواكبها من خطوات أوروبية - أميركية جرى التداول بشأنها أخيراً. خصوصاً الدعوات لتحريك قوات من حلف "الناتو" باتجاه الحدود البولندية الأوكرانية وما سبق ذلك من إرسال مقاتلات إلى دول البلطيق وبعض البوارج الحربية إلى البحر الأسود، فضلاً عن إعادة النظر بمشروع الدرع الواقي ونصب بعض قواعده في بولندا والتشيك، كما كان مخططاً في السابق.

تحريض مبطن

وعلى الرغم من أن ذلك لا يتعدى التلويح والتحرك الرمزي، إلاّ أنه ينطوي على رسائل قد تراها موسكو بمثابة تحريض مبطّن لرفض نتيجة الاستفتاء المتوقعة والقيام بتحركات لترجمة الرفض وبما يزيد ليس فقط من التباعد بين كييف وموسكو، بل أيضاً من توجس الرئيس بوتين، الذي احتاط للأمر، وبعث هو الآخر برسائل التحذير المبكرة، من خلال المناورات العسكرية الروسية التي جرت على مقربة من الحدود مع أوكرانيا وترك القوات التي شاركت فيها- 150 ألف جندي مرابطة في المكان نفسه. وكأن في ذلك تحذيراً واضحاً بأنها جاهزة للانقضاض، إذا ما رأت موسكو في انفلات الساحة الأوكرانية ما يوازي الاقتحام الغربي للخط الأحمر الأوكراني.

وفي مثل هذه الحالة من الغليان قد يدخل الجيش الروسي إلى اوكرانيا "ونكون إما أمام حرب أو أمام نسخة أخرى من أزمة الصواريخ الكوبية" على ما يقول ستيفن كوهين، أستاذ الدراسات الروسية في جامعتي نيويورك وبرنستون.

هو وأمثاله يحذّرون من الاستمرار في وضع أوكرانيا بين خيارين: "إما أن تكون أوروبية أو ان تكون روسية". معادلة تؤدي بالنهاية إلى مأزق محشو بالألغام. لاسيما وأن الأجواء مواتية لأن تخرج معها الأمور عن السيطرة، ولو أن احداً لا يسعى إلى بلوغ هذه النقطة.

محدودية المناورة

لكن في واشنطن ثمة فريق يدفع في هذه الوجهة غير المحسوبة. خطابه مزيج من الأوهام والحنين للماضي. بعضه لا يتردد في الترويج لسياسة عرض العضلات. ومنه ما يصب جام غضبه على دول الاتحاد الأوروبي لأنها غير متحمسة لاستخدام سلاح العقوبات. من دون الأوروبيين، هذه الورقة لا مفعول لها. معظم مصالح روسيا معهم.

بوتين عمل حساباته ويدرك محدودية مساحة المناورة أمام الغرب.

وهذا الأخير، خصوصاً واشنطن، في حيرة إزاء الحسم الذي ابدته موسكو. جملة أسباب، حسب كثير من القراءات، أدّت إلى ذلك. منها الحسابات الغربية الخاطئة وخطابها "الفوقي"، ثم عامل الجغرافيا وإلى حدّ ما التاريخ، فضلاً عن الأوراق الهامة التي تمسك بها موسكو في الشرق الأوسط كما في ملف خفض الأسلحة النووية. في ضوء ذلك، تنشط أصوات الدعوة للفرملة. فالعرضات ومساحيق التجميل لا تنفع في هذه الحالة.

موسكو عزمت وحسمت. أوكرانيا "دمرت نخبتها" في العقدين الماضيين، حجم اقتصادها الراهن، أصبح "أصغر مما كان عليه في لحظة الانهيار السوفييتي عام 1991"، حسب الخبراء. دول "الناتو" كان همّها توسيع الحلف وتمديده إلى الجوار الروسي.

الآن انقلبت الأدوار. بوتين يفرض وإلى حدّ بعيد الأجندة. يمسك بالمبادرة على الأرض. وهذا مدعاة قلق لدى أوساط أميركية تقيس الأمور بالمسطرة وليس بالمنقلة، وتواصل التركيز في متابعتها لهذا الملف على أمية التعامل مع المشكلة بمقاربة مختلفة تقوم على الحوار المباشر وتكليف أنجيلا ميركل بهذه المهمة، نظراً لعلاقات ومصالح بلادها القوية مع روسيا ومع بوتين، خصوصاً، قبل أن تستفحل الأزمة وتكبر مخاطرها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات