أزمة أوكرانيا منحت المحافظين ذخيرة لعرقلة تخفيض الإنفاق العسكري

موازنة «بنتاغون» 2015 تتخلى عن الدفاع التقليدي

حصة وزارة الدفاع الأميركية "بنتاغون" من موازنة العام 2015 التي رفعتها إدارة أوباما إلى الكونغرس أخيراً، أثارت أرقامها جدلاً واسعاً بين مختلف الدوائر الأميركية المعنية.

وبالتحديد فيما يتعلق بالتقليص المقترح لحجم القوات الأميركية نحو 120 ألفاً وربما 150 ألفاً، مع عام 2019 وبحيث تصبح الأصغر منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية.

حسب هذا المخطط، يهبط العدد من 570 ألف جندي إلى 450 ألفاً أو 420 ألفاً.

توعد المحافظين

المحافظون حملوا على الخطة وتوعدوا بإسقاطها في الكونغرس، بزعم أنها تهدّد الأمن القومي. خاصة في زمن "التآكل في مصداقية أميركا"، في أعقاب تراجعاتها الأخيرة والجولات التي كسبتها موسكو على حسابها، في سوريا وقضية الخبير الأميركي إدوارد سنودن.

ثم جاءت أزمة أوكرانيا ودخول الروس العسكري إلى شبه جزيرة القرم، لتعطي هذه المزاعم المزيد من الذخيرة والزخم. وقد تجلى ذلك في الردود الناقمة والتي وصل بعضها إلى حدّ الدعوة للكشف عن الأنياب.

بعضها يرى أنه لا بدّ أن يقوم حلف "الناتو" بوضع خطط احتياطية، في المسرح الأوروبي القريب من أوكرانيا. ومنها من شدّد على إعادة "تشكيل" الحلف وتجديده، بل الدفع باتجاه المزيد من توسيع دائرته لتشمل دولاً مثل جورجيا وأوكرانيا.

في ظلّ هذه الأجواء، من المتوقع أن يتعرض تقليم البنتاغون للمزيد من الضغوط الداخلية. مع أن حيثياته وجيهة. فهو يوصي بشطب بعض العتاد والأسلحة، وهو ما حظي بموافقة هيئة الأركان، على أساس أنه ليس بمقدور أميركا، خاصة في أوقات الضيق المالي الراهن، الاحتفاظ بكامل قواتها ومعداتها العسكرية كما هي الآن.

مع أن موازنة الدفاع السنوية ما زالت في حدود 500 مليار دولار. أكبر من موازنات الدول الكبرى مجتمعة. فالمطروح الاستغناء عنه " لا حاجة له " بشهادة العسكريين.

لا يصلح في مواجهة التحديات الجديدة، القائمة والمتوقعة. طائرة التجسس يو 2، لم يعد لها لزوم في زمن طائرة "درون" بلا طيار. وكذلك طائرة أ 10 الهجومية، مع خفض أسطول حاملات الطائرات العاملة إلى عشرة بدلاً من 11 عاملة وواحدة في الاحتياط وأخرى في الصيانة.

يضاف إلى ذلك تعليق شراء طائرة أف 35 حتى إشعار آخر، في ضوء تزايد كلفتها وتعذّر التغلب على التحديات التقنية التي واجهه تصنيعها، وأيضاً إقفال عدد من القواعد العسكرية التي ما عادت تخدم الغرض منها.

بالإضافة إلى الدواعي المالية، تشدد البنتاغون في تعليلها على أن التركيز على النوعية التسليحية وخاصة تعزيز العمليات الخاصة السريعة والتفوق المتوفر فيما يسمى بحروب "الفضاء الالكتروني " لتعطيل شبكة اتصالات الخصم، من شأنها التعويض الميداني عن جوانب الخفض المقترح، خاصة أنه لا يطول إلاّ الزوائد عديمة الفائدة.

لكن هذه الحيثيات التي قدمتها الإدارة لتسويق المشروع في الكونغرس، تحجب غاية أعمق: استبدال المذهب العسكري الاحتلالي بآخر ردعي ومن بعيد. وهو توجّه يعكس مقاربة أوباما القائمة على مقت التدخل المحكوم بالاجتياح في الخارج. موازنته للبنتاغون تعكس عزوفه وتراجعاته في أكثر من ساحة. ويبدو أن هيئة الأركان في البنتاغون، إلى جانبه. أنهكتها حروب العراق وأفغانستان.

هجمة مضادة

ومن هنا حدّة الهجمة المضادة على موازنة البنتاغون الجديدة، لا لأسباب تتعلق بالأمن القومي، فهذا للاستهلاك. ولا حرصاً على الاقتطاعات المقترحة من التقديمات الصحية والمالية وغيرها لأفراد القوات المسلحة فحسب، بل لسببين رئيسيين: لأنها تنعكس سلباً على صناعة السلاح.

ومن هنا ارتفاع صوت لوبي المجمع الصناعي العسكري في واشنطن، للتخريب على هذا التحجيم. السبب الثاني والأهم بالنسبة إلى طاقم المدرسة الدفاعية التقليدية، أن هذا التقليم موجّه لقطع الطريق، إلى حدّ بعيد، على تكرار حروب العقد الأول من هذا القرن.

وهذا ما يرفضه المحافظون بقوة: "لأننا يجب ان نبقى جاهزين، لا أن نعمل على تصغير حجم قواتنا المسلحة" كما قال السناتور ماكين أحد رموز المحافظين، أثناء كلمته أمام مؤتمر اللوبي الإسرائيلي السنوي في واشنطن، أخيراً.

الرئيس أوباما بيده ورقتان لتكريس هذا التوجه. التقشف ولو البسيط الذي يفرضه العجز المالي، نبذ الرأي العام الأميركي للمغامرات العسكرية التي اكتوى بنارها في السنوات العشر الماضية، وبالتالي تأييده لضبط الانفاق العسكري.

 لكن خصوم هذا التعديل وإن المتواضع كونه ما زال في بدايته، لا يستهان بقدرتهم على نسف احتمالاته. خاصة وأنهم قوة وازنة في الكونغرس الذي تعود له الكلمة النهائية في تمرير الموازنة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات