لم تكن خافية علامات عدم الارتياح الأميركي للقاء وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو.
بعضها انطوى على شيء من الصدمة الممزوجة بالخشية من أن تكون مصر في طريق عودتها إلى الروس، بعد حوالي أربعين سنة من طردها للسوفييت، فالزيارة التي قام بها المشير ليست من صنف الزيارات الثنائية العادية.
مقدماتها وظروفها المحلية والإقليمية، جعلتها محمّلة بالرموز والإشارات، التي تتعدّى مسائل العلاقات الثنائية أو عقد الصفقات العسكرية، كما جرى التركيز الأميركي عليها من زاوية أنها تنطوي على توجّه جديد للقيادة المصرية، يتجاوز المناورة السياسية ومحاولة تحسين الموقع وتعزيز الأوراق الضاغطة.
رسالة أولية
فالزيارة أتت عشية ترشيح السيسي المتوقع في انتخابات الرئاسة المصرية، بل عشية فوزه المرجّح، وفي ذلك رسالة أولية برسم واشنطن والغرب عموماً.
بدت وكأنها عنوان لمشروع تجديد شراكة مع قطب دولي وازن، سبق أن كانت لمصر علاقة تحالف استراتيجي معه، وقد أخذ هذا البعد شحنة من الزخم، عندما تعمّد الرئيس بوتين، وبصورة غير مألوفة، إعلان تأييده لترشيح ضيفه أثناء استقباله له.
وكان ذلك أكثر ما استوقف الأوساط والصحافة الأميركية التي سلّطت الأضواء على هذا التأييد، من زاوية وضعه في إطار الاحتضان الروسي للعهد الجديد في مصر وتوفير الغطاء الدولي له.
تتويج الاتصالات
وقد عزّز هذا المدلول للزيارة أنها جاءت تتويجاً لاتصالات روسية مصرية متبادلة، توالت بعد الإطاحة بحكم " الإخوان ". بدت وكأنها كانت بداية بحث مصري عن تحالف جديد، في ضوء قناعتها أن واشنطن غادرت علاقتها التقليدية مع مؤسسة النظام لتقيم علاقات مع حركة "الاخوان المسلمين".
وفعلاً ما زالت الإدارة تواصل السير على هذا الخط. الخارجية الأميركية أكدت أثناء زيارة المشير السيسي لموسكو، أن الاتصالات مستمرة مع "الإخوان "، وأنها تدعو إلى شمولهم في العملية السياسية.
قرار إدارة أوباما بتجميد جزء من المساعدات السنوية العسكرية لمصر، الذي اتخذته في أعقاب تلك الإطاحة بمرسي، سرّع من الالتفات إلى موسكو ومن تكثّيف عملية ترميم الجسور مع الرئيس بوتين، المتلهف لبعث مزيد من الرسائل لواشنطن حول تزايد حضور بلاده في المنطقة.
وفي هذا السياق، اندرجت زيارة وزيري خارجية ودفاع روسيا إلى القاهرة في نوفمبر الماضي، خلالها وضعت الأسس لتطوير مختلف جوانب العلاقات بين البلدين، خاصة العسكرية والاقتصادية، وفي حينه تردّد في واشنطن أن المباحثات شملت صفقة عسكرية لمصر بقيمة ملياري دولار.
من بينها 24 مقاتلة من طراز ميغ،29 وشبكة دفاع جوي وصواريخ مضادة للدروع ومروحيات حربية من طراز أم أي- 25 وأم أي 28، ومع أنه لا تأكيدات حول إنجازها بعد، حسب التقديرات الأميركية، لكن إبرامها ليس سوى مسألة وقت، يتم خلاله استكمال جوانبها التقنية الكفيلة بجعلها جزءاً من " شراكة تاريخية بكل معنى الكلمة " بتعبير بوتين.
وبذلك تكون الصفقة بداية " تعميق التعاون العسكري بين مصر وروسيا".
وهذ ما تخشاه جهات أميركية، فالتعاون ينطوي على عملية استبدال التسليح على المدى الأبعد، والاعتقاد بأن مصر لا تقوى على نقل البندقية إلى الكتف الآخر بحكم حاجة قواتها لقطع غيار سلاحها الأميركي، ليس صحيحاً بالمطلق. وهناك سوابق، منها ما فعلته مصر السادات، حين تخلّت عن التسليح السوفياتي بالكامل، وانتقلت إلى السلاح الأميركي بالتدريج أيضاً.
يعزّز هذا التخوّف الأميركي أن الاستدارة المصرية نحو روسيا، لم تأت فقط نتيجة لفتور العلاقات مع واشنطن والتلويح بوقف المساعدات لمصر، بل أتت أيضاً توجّهاً مضاداً لتوجّه إدارة أوباما في تعاملها مع مخاضات المنطقة، ومحاولة نسج تحالفات وتركيب معادلات شبه انقلابية في الإقليم.
فليست مصر وحيدة في النأي عن واشنطن، حلفاء أميركا في المنطقة غير راضين على انفتاحها على إيران وحركة " الإخوان المسلمين". تحركاتهم الكثيرة في وجهات أخرى غير أميركية تشي بذلك. وهذا ما أسهم في احتدام الجدل بواشنطن، حول مجمل سياسة إدارة أوباما " النصفية " في المنطقة عموماً. وبالتحديد في سوريا ومصر، وهما الساحتان الأهم في اللحظة الراهنة.
المقاربة الأميركية لملفات المنطقة ما زالت تبدو من دون لون، أربكت أصحابها، وحملت كثيراً من عواصم المنطقة على مراجعة حساباتها. استراتيجيات كثيرة إقليمية ودولية قيد التشكل، المشهد ضبابي ومدّ الجسور بين القاهرة وموسكو زاد من ضبابيته حتى إشعار آخر.
