ثلاثة أحداث نقلت الأضواء ،أخيرا، إلى المسرح الأوروبي : التطورات في أوكرانيا، القمة الأوروبية الروسية في بروكسل والمؤتمر الأمني في ميونيخ. موسكو كانت المحور المشترك في ما بين هذه الأحداث. احتدام الصراع الجيو سياسي معها ونقله إلى تخومها بدا وكأنه الجواب الأميركي الأوروبي على محاولات عودتها المتوازنة إلى المسرح الدولي.

وبخاصة في الشرق الأوسط، الذي تحكّمت موسكو أخيرا، ببعض ملفاته وأوراقه. فالغرب لا يطيق أن يرى روسيا نافذة ولو بنسخة سوفييتية مصغّرة. وموسكو بوتين مصرّة على استعادة هالة الدولة العظمى. هي لم تعد محسوبة في خندق العدو ومرغوبة في الخيمة الأوروبية الأميركية كشريك محتاج إلى التكنولوجيا وتقنيات الإدارة.

لكن الكرملين يريدها شراكة شاملة ومتكافئة. وبين تطويعه ومحاولته فرض حضوره، بقيت العلاقات الأميركية الروسية وكذلك الروسية - الأوروبية في دائرة التوتر، مع تعاون اضطراري بالمفرّق. وقد أخذ هذا المنحى، في الآونة الأخيرة شحنة جديدة من التأزم.

نقل التحدي

الأزمة السياسية في كييف، أعطت الغرب فرصة لنقل التحدّي إلى الحديقة الخلفية لروسيا. الاتحاد الأوروبي أخذ من الضائقة المالية الأوكرانية مدخلاً لجذب جار روسيا إليه، من خلال تقديم قرض مشروط لتمكين اوكرانيا من سداد ديونها.

محاولة سارعت موسكو إلى إحباطها بتقديم قرض إلى كييف بقيمة 15 مليار دولار، لإبقائها في الفلك الروسي. خطوة فاقمت نقمة الشارع الأوكراني، الذي سعى الرئيس يانوكوفيتش لاسترضائه بالتخلي عن رئيس حكومته المقرّب من موسكو.

فكان أن ردّ الكرملين بوقف الشريحة التالية من العقد. بذلك دخل الاتحاد الأوروبي مع واشنطن من جديد على خط الأزمة، من خلال التلويح بقرض بديل وبسرعة، كما من خلال التواصل مع المعارضة لإقناعها بالمشاركة في حكومة ائتلافية.

ترافق ذلك مع قمة روسية أوروبية باردة في بروكسل. في هذه المناسبة يتباحث الجانبان عادة ولمدة يومين، في مسائل " الشراكة الاستراتيجية " التي يعتزمان بناءها والتي يراهن عليها الرئيس بوتين لحسابات استراتيجية واقتصادية روسية. ه

ذه المرة، استمرت زيارته لعاصمة الاتحاد الأوروبي ثلاث ساعات فقط ،ولم تخرج القمة الخاطفة بأي شيء يهم الرئيس بوتين ،غير موضوع التعاون في محاربة الارهاب.

لم يرجع بموافقة حتى على طلب بسيط وقديم ،مثل تسهيل حصول المواطنين الروس على تأشيرة الدخول إلى الأراضي الأوروبية. برودة ليست بصمات واشنطن بعيدة عنها.

فالرئيس الروسي سعى إلى هذه الشراكة كجسر عبور إلى الغرب بدون الولايات المتحدة. فهو يدرك حاجة أوروبا إلى منتجات الطاقة الروسية الغزيرة. كما يدرك تطلعات الأوروبيين الأقوياء إلى روسيا كسوق وكساحة مغرية للاستثمار.

الشراكة هذه ،لو تحققت، تمكّنه من ضرب عصفورين بحجر: الوصول إلى تكنولوجيا يحتاجها وفي الوقت ذاته قد تغذي الفوارق الأوروبية مع أميركا، والتي تبدّت في أكثر من شكل وساحة، منها الانسحابات الأوروبية المبكرة من العراق وأفغانستان.

حسابات غير دقيقة

لكن حسابات بوتين لم تكن دقيقة. فشلت مراهنته، حتى الآن، على جذب أوروبا. شراكته المرغوبة معها مشروطة ومؤجلة، في أحسن أحوالها. الرقيب الأميركي بالمرصاد.

فقد دعا الأسبوع الماضي في مؤتمر ميونيخ الأمني، إلى " نهضة أطلسية " تؤكد على عمق الروابط بين " أميركا المحتاجة لأوروبا قوية وأوروبا المحتاجة لأميركا حاضرة وجاهزة للقيام بمسؤولياتها ".

واشنطن تنظر إلى أي شراكة روسية أوروبية من منظور هذه المعادلة التي " لا يقوى أو لا يرغب أحد في الحلول مكانها في المقعد القيادي " الدولي، على ما قال الوزير كيري. دور لا تسلّم موسكو باحتكار الغرب له. لكن لا بديل لديها سوى ورقة تحالفها مع دول أواسط آسيا، التي كانت جمهوريات سوفييتية سابقة.

تواجه موسكو حالياً صداعا أوروبيا، بعد فترة تسيّد في الشرق الأوسط. ويزيد من حدّة هذا الصداع أنه يهدّد بانكشاف هشاشة نفوذها، لو حصل انسلاخ أوكرانيا عن مدارها الروسي.

وخاصة إذا حصل ذلك نتيجة الانتفاضة الشعبية وبدعم أوروبي أميركي، وإن كانت واشنطن تدفع بالأوروبيين إلى صدارة هذا الدور، بزعم أنه " ليس هناك مكان أهم من أوكرانيا للنضال في سبيل مستقبل اوروبي ديمقراطي "، حسب تعبير الوزير كيري.

 بذلك تزج واشنطن بالاتحاد الأوروبي في معركة أوكرانيا وتبقي هي على الجسور مفتوحة مع موسكو وفي الوقت ذاته تخرّب على مشروع الشراكة الأوروبية الروسية.