إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي أعربت عن طموحها لعالم يخلو من الرعب النووي، وجدت فجأة ما يرعبها من هذا الخطر في عقر دارها، كما وجدت ما يقلقها من ضعف قدرتها على رصد مؤشرات هذا الخطر في العالم. التقارير التي صدرت في هذا الخصوص عن الجهات الأميركية المعنية أخيرا، أثارت مخاوف حقيقية وأسئلة أربكت المسؤولين. خاصة المتعلق منها بحراسة وتشغيل قاعدة صواريخ بالستية نووية.

محاولات تصويرها على أنها من نوع الهفوات التي يمكن اتخاذ التدابير الكفيلة بعدم تكرارها، لم تقوَ على إزالة القلق. على الأقل لأن ما حصل غير مسبوق في موقع عسكري استراتيجي، يفترض أن الخطأ ممنوع بتاتاً، في وظيفة مسؤوليه ونواطيره. فكيف بالخفّة والاستهتار وغياب الرقابة الحازمة التي تقتضيها مهمة تأمين سلامة وإدارة مثل هذه القاعدة النووية؟

فضيحة غير مألوفة

ما أعلن عنه سلاح الجوّ الأميركي يرقى إلى مستوى فضيحة من طراز غير مألوف بمخاطرها وحجمها. 34 من الضباط والعناصر الموكول إليهم مهمة إطلاق الصواريخ النووية فور صدور الأوامر، جرى تعليق وضعهم لارتكابهم مخالفات تتراوح بين "الغش في تقديم معلومات في الاختبار الشهري الذي يخضعون له لتقدير مدى كفاءاتهم للقيام بهذه المهمة "، وبين الاشتباه بعدد منهم " بتعاطي المخدرات " وانتهاءً باستسلام بعضهم" للنوم أثناء الخدمة فيما باب الصومعة التي ينطلق منها الصاروخ مفتوح ". وكانت قيادة سلاح الجوّ قد قضت قبل اشهر، " بنقل الجنرال مايكل كاري من قيادة فرقة جوية بحوزتها صواريخ بالستية، بعد أن افتضح أمره مخموراً بصورة مكشوفة ومحرجة، خلال زيارة إلى موسكو".

التقرير كان له وقع الصدمة. حصلت، في الفترة الأخيرة، فضائح كثيرة في صفوف القوات المسلحة الأميركية. وتحديداً في القوات الجوية. لكن ليس من هذا العيار وفي مثل هذا الموقع الفريد في حساسيته. ومن هنا كانت الصدمة التي انعكست آثارها في ردود البنتاغون ووزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، والتي انطوت على شيء من الخشية من أن يكون في الأمر ظاهرة وليس فقط حادثة معزولة في التعامل مع سلاح لا يحتمل أي قدر من التهاون.

او أن يكون تعبيراً عن حالة أوسع من الرخاوة والهبوط العام في الجاهزية العسكرية الأميركية ومعنويات أفرادها، أكثر مما هي حالة شطط فردي. خاصة وأن الانحراف شمل هذا العدد الكبير من العسكريين المؤتمنين على عملية الضغط على زناد أخطر سلاح استراتيجي في الترسانة العسكرية الأميركية.

ومن هنا توجيه الوزير هيغل بإعداد خطة خلال شهرين للقيام بعملية " فحص شامل لقيادة وإدارة منظومة الردع النووي وقدرتها على القيام بمهامها المطلوبة، خاصة العنصر البشري فيها، على ان يتم انجازها في غضون شهرين ".

خلل مخيف

بالتزامن مع الكشف عن هذا الخلل المخيف، صدرت دراسة أجراها " المجلس العلمي للدفاع " التابع للبنتاغون على مدى ثلاث سنوات، حول القدرات الأميركية لرصد الانتشار النووي في العالم. وقد جاء في خلاصتها أن أجهزة الاستخبارات الأميركية جميعها " ليست مجهزة كما يلزم ولا هي على المستوى المطلوب من التنسيق والتنظيم" كي تنهض بمهمة التقصي والكشف عن المشاريع النووية خاصة السرية منها، لبعض الدول. والدليل على ذلك أن البلدان التي امتلكت القدرة على التصنيع النووي ازداد عددها بعد نهاية الحرب الباردة.

ومن هذه المشاريع ما نما بصورة سرية، كما في كوريا الشمالية. وهذا ما يشير إلى ان الأساليب التقليدية، مثل " صور الأقمار الصناعية وعمليات الاستكشاف الجوي" لم تعد كافية ولا بديل عن اللجوء إلى " برامح شبكة المعلومات، كالتي طوّرتها وكالة ناسا الفضائية، من أجل رصد حالات الانتشار النووي ". وذكر التقرير ان عدداً من الدول من دون ذكر اسمائها، تحوم فوقها شبهات نووية، تخضع لرقابة أميركية في الوقت الراهن.

إذا كانت مشكلة الساعي للنووي انه على الأرجح مراقب، فإن مشكلة الرقيب مثل اميركا مضاعفة. من جهة لأن رقابته غير مضمونة نتائجها بالكامل. ومن جهة أخرى أنه هو الآخر مصاب بتخمة نووية. وتبيّن مؤخراً أنه عاجز حتى عن ضبط ورقابة تخمته. فعندما يصل التعامل مع موقع صاروخي نووي إلى مثل هذه الخفّة والهوان، عندئذٍ يكون الحبل النووي مهدّد بالانفلات، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من عواقب مدمّرة.