يقوم الاتفاق النووي الإيراني الذي يدخل حيز التنفيذ في 20 يناير الجاري، على نوع من المقايضة. فحواها تراجع تكتيكي من جانب طهران، قابله قرار أميركي بالتعايش مع نووي إيراني معلّق.

الباقي تفاصيل وتقنيات إخراج وتسويق. صحيح أن الصفقة تحتوي على صماّمات أمان للتحقق من التزام إيران بالشروط المانعة لإنتاج القنبلة. لكنها تخلو من الشروط الضامنة للمنع المستديم. وقد تعمّدت واشنطن التعتيم على هذه الناحية.

 

أيضاً صحيح أن طهران رضخت للضغوط وقدّمت مجبرة، تنازلات هامة. لكن تنازلاتها مفتوحة مبدئياً على التراجع عنها. فقد أعطت التجميد مع إجراءات ترد بعض جوانب المشروع إلى الوراء قليلاً وأخذت في مقابله رفع العزلة والعقوبات.

معادلة أدّت إلى تسوية تحجر على النووي الإيراني من دون أن تقفل ملفه وتختمه بالشمع الأحمر. فهل تعيش هكذا معادلة؟ وإلى متى؟ سؤال أثار جدلاً واسعاً في واشنطن، بين دعاة الانفتاح الحذٍر وبين أصحاب الاعتراض الذي لا يخلو خطابه من البصمات الإسرائيلية المحرّضة.

الكونغرس و الاتفاق

الاتفاق الأخير بخصوص آليات التطبيق، أعطى دبلوماسية النووي شحنة كبيرة من الزخم، سارعت إدارة أوباما إلى توظيفها كدليل على صحة سياسة الحوار التي تنتهجها. ركّزت في ترحيبها بالخطوة على هذا الجانب الذي يعفي أميركا من متاعب البدائل التي لا تضمن النتائج نفسها، على ما قال الوزير كيري.

كما حرصت على تحذير الكونغرس من فرض أية عقوبات جديدة على إيران. وكان هذا الأخير قد شهد، فور إعلان الاتفاق، تحركات في هذا الاتجاه، بزعم أن مثل العقوبات تعزّز موقف الإدارة في مفاوضات الصفقة الشاملة خلال الأشهر الستة المقبلة.

وعلى الفور هدّد أوباما بالفيتو لمنع صدور أي قانون في هذا الخصوص. فذلك تقول الإدارة، ليست أقل من عملية تخريب على الصفقة، في الواقع، رداً على استراتيجية الانفتاح التي تعتمدها تجاه إيران والتي تتوسم فيها ما يعادل قرار الرئيس نيكسون بالانفتاح على الصين في سبعينات من القرن الماضي، مع الفوارق بحجم الخطوة وأبعادها وظروفها.

فواشنطن تتصرف على أساس أن تسوية النووي الإيراني سائرة إلى خواتمها المنشودة، على الرغم من كلامها عن صعوبة مرحلة التفاوض المقبلة حول الاتفاقية النهائية. ينعكس ذلك في السرعة التي شهدتها العملية التي انتقلت بظرف شهرين من الاتفاق المبدئي إلى مرحلة التنفيذ.

كما ينعكس في التحفيزات التي تقدّمت لإيران، من غضّ النظر عن دورها في سوريا الوزير كيري قال أمس في باريس إنه يعتزم مفاتحة نظيره الإيراني بالموضوع عندما يلتقيه في المرة القادمة، وكأن المسألة طارئة واكتشف أمرها للتّو، إلى تجاهل أمر خطّ الإمدادات البرية عبر العراق الذي تستخدمه طهران لتزويد سوريا بالعتاد الحربي، كما في التقليل من أهمية ضبابية الاتفاق بشأن التخصيب ولو المنخفض الدرجة.

والتسوية هذه ترجمة لتوجّه جديد "يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال نسج علاقات بنّاءة مع إيران بعد تحديد وضبط إمكانياتها النووية، مع ما يترتب على مثل هذه العلاقات من إعادة صياغة لسياسة واشنطن تجاه المنطقة" على حدّ ما قال وزيري الخارجية السابقين هنري كيسنجر وجورج شولتز، في مقالة مشتركة بدت كدليل للاسترشاد به.

ويبدو أن إدارة أوباما ليست بعيدة في مقاربتها عن هذه الرؤية. بل هي تسير في حدودها. يتجلى ذلك في استعدادها "للتعايش" مع نووي إيراني "منضبط"، كمدخل يساعدها على مواجهة بقية الاستحقاقات، من أفغانستان إلى "القاعدة" وامتداداتها.

آراء الخبراء

لكن هذا "التعايش" لا يخلو من المجازفة، كما يرى راي تاكيا، خبير الشؤون الإيرانية في "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي. والخشية أن مثل هذه الصيغة قد تحفز إيران إلى المزيد من السعي لتوسيع دائرة نفوذها في المنطقة. ولا يستقيم لجم هذا السعي: "إلاّ من خلال إعادة تصحيح علاقات واشنطن مع حلفائها في المنطقة".

 وليس سراً في واشنطن أن هذه العلاقات ليست في أفضل حالاتها، ولو "أن إيران التي عزّز الاتفاق علاقاتها مع واشنطن، ليست البديل لأصدقاء أميركا هناك" على ما يقول جيمس اكتون الاختصاصي في الشؤون النووية في مؤسسة كارنجي للدراسات بواشنطن، في جوابه على سؤال "البيان"، لكنه لا ينفي احتمال أن يؤدي التفاهم حول النووي إلى تطوير العلاقات لاحقاً مع إيران.

دخول الاتفاق النووي الإيراني طور التنفيذ نقلة نوعية وإن "ليست مضمونة" في العلاقات الأميركية - الإيرانية. قرار استراتيجي مزدوج، اتخذته إيران مرغمة واعتمدته واشنطن، طامعة بتغيير قواعد اللعبة في المنطقة.