منذ استسلامها، في الحرب العالمية الثانية قبل حوالي سبعة عقود، عرف عن اليابان أنها بلد مسالم هجر المغامرات العسكرية منذ ذلك الحين.
فمن ناحية شعر بالإنهاك من الحروب ومن ناحية ثانية فرضت عليه أميركا آنذاك دستوراً فيه نصّ صريح يحظر استخدام القوة العسكرية اليابانية ضدّ الغير. في المقابل التزمت واشنطن بموجب معاهدة مع طوكيو بالدفاع عنها، عند اللزوم.
الآن يبدو أن طوكيو سئمت هذه الوضعية. وتريد طي صفحتها. يشدّها الحنين، مع صعود التيار المتشدّد، إلى زمن الهيمنة الامبراطورية.
وربما ساهم التأزم الأخير مع الصين في تعزيز هذا التوجه وخطابه القائم على استنفار العصبية القومية اليابانية والسعي الدؤوب للتخلص من المادة الدستورية المانعة لأي عمل عسكري في مواجهة الآخرين. انعطافة أثارت المخاوف من زيادة التوتر في محيط ساده ما يكفي من التأزم خلال الآونة الأخيرة. وحتى قبلها.
كما استحضر إحياء النعرة الوطنية الشوفينية شبح العسكريتاريا اليابانية التي نهضت قبيل الحرب العالمية الثانية، على مثل الخطاب لتعبث بالجوار وتذيقه الويلات من غزواتها؛ خلال العقود الأربعة الأولى من القرن الماضي.
رئيس الحكومة اليابانية المحافظة شينزو آبي معروف بنزعته القومية المتعصّبة. وقد حاول تسويقها عندما تولّى رئاسة الحكومة عام 2007، من خلال إعادة العمل على تلميع صورة القوات المسلحة وإعادة الاعتبار لها.
منع الإشارة إلى القساوة التي مارسها الجيش تجاه اليابانيين من سكان جزيرة أوكيناوا، أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن مسعاه أدى إلى تقصير عمر حكومته ،التي لم تكمل السنة في الحكم.
طرح الأجندة القومية
مع عودته، أخيرا، إلى الحكم، عاد آبي إلى طرح الأجندة نفسها لإحياء الماضي، من خلال التركيز على الهوية اليابانية وضرورة تغيير الدستور. وهو يستند بذلك على تنامي تيار قومي متزمت، ارتبط تاريخياً بالصعود العسكري. وهنا مكمن الخطر، الذي سارعت القوى اليابانية المناهضة للعسكرة إلى التحذير من عواقبه.
خاصة وأن رئيس الحكومة كشف عن إصراره على ترجمة هذه الأجندة، على أكثر من صعيد. فهو يخطط لزرع ثقافتها في نفوس الجيل الجديد، من خلال تغيير كتب التدريس بحيث تحتوي على نصوص تؤكّد على الوطنية اليابانية، كما تحتوي على توضيح بأن دور الجيش لم يحسم بعد. وفعلاً واصل السعي لشطبها من النصّ، على الرغم من اعتراض القوى اليابانية المناوئة للصعود العسكري.
تاريخ حافل
العسكرة في اليابان لها تاريخ حافل بالحروب، منذ تأسيس "الجيش الإمبريالي " سنة 1873 . بعد حوالي عشرين سنة من تأسيسه، أشعل الحرب مع الصين ،التي انهزمت وخضعت للشروط اليابانية، حيث اضطرت للتخلي عن جزء من جنوبها مع جزيرة تايوان وفتح مرافئها أمام التجارة الدولية.
على الأثر وقعت كوريا في فلك نفوذ طوكيو، وبذلك صارت اليابان قوة عسكرية إقليمية. فائض القوة أدخلها الحرب العالمية الأولى إلى جانب المانيا. ك
ما تدخلت عسكرياً في روسيا عام 1914 إلى جانب القوى المضادة للثورة الشيوعية، من غير أن تفلح في ذلك. لكن الإدمان على المغامرات الحربية، ردّها إلى الصين فقامت باجتياحها عام 1937 بعد ضم مناطق شمال بكين إليها. ارتكبت القوات الغازية فظائع هائلة ضد المدنيين ،الذين سقط منهم حوالي 300 ألف قتيل.
ثم وسّعت العسكرية اليابانية دائرة عملياتها فقامت طائراتها بقصف القاعدة البحرية الأميركية في بيرل هاربر في هاواي ،ودمرت بوارجها الحربية. ولم يتوقف الفوران العسكري الياباني إلاّ بعد الاستسلام المعروف في صيف 1945، عقب إلقاء قنابل ذرية عليها.
تعديل الدستور
على هذه الخلفية، تواصل حكومة شينزو إلحاحها ومطالبة واشنطن بالموافقة على تعديل الدستور، وبالتالي تحرير قواتها العسكرية من القيد المفروض على حركتها في المنطقة. توجّه أثار القلق حتى لدى قطاعات يابانية واسعة تمتعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بفترة من السلام والازدهار، وترى في مثل هذا التغيير تحضيرا للعودة إلى الماضي وحروبه.
كما أنه أثار التخوف في المنطقة كما في واشنطن. فاليابان تملك قوة عسكرية تضعها في عداد الجيوش الأكثر تقدماً في تكنولوجيا معدّاتها الحربية. تحتل المنزلة السابعة من حيث الإنفاق العسكري. ولديها البنية التحتية لبناء قوة ضاربة.
مزيج هذه الإمكانيات مع التاريخ العسكري الياباني والتوتر الراهن مع الصين، بالإضافة إلى الصاعق الكوري الشمالي الجاهز دائماً للتفجير، يؤشر إلى أن الحوض الياباني الصيني الكوري بشقيه، قادم على مرحلة من الصراع الجيو- سياسي المحتدم، وبما يضع أميركا أمام خيارات صعبة، في منطقة تحتل المرتبة الأولى في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة.
