كانت العودة متزامنة، وجاءت حاملة رسالة بأنه إذا كانت الحرب الباردة قد انتهت فإن موسكو وواشنطن حريصتان ليس فقط على الاحتفاظ بترسانتهما العسكرية الاستراتيجية، بل أيضاً على تطويرها. وربما تحرصان على التسابق في تعزيز نوعيتها وقدراتها الكونية.
فقبل نهاية السنة بأيام، أقدمت روسيا على إجراء تجربة على صاروخها الباليستي الحديث، الذي يعتقد أنه نسخة منقّحة عن صاروخ "سارمات". كما أجرت القوات الجوية الأميركية تجربة على صاروخ مينيوتمن - 3 الذي يصل مداه إلى أقل بقليل من 7 آلاف كلم. وقد نجحت كلتاهما حسب مصادرهما العسكرية. تطور يستحضر بدايات هذا الانتاج الحربي المخيف، خلال الخمسينات.
تعليل روسي
تعليل الجانب الروسي أن هذا الصاروخ المزمع إدخاله إلى الخدمة بين عامي 2018 و2020، يأتي كبديل لجيل صاروخي SS- 18، قيد الاستعمال منذ السبعينات ومقرر إحالته على التقاعد مع حلول 2022. ويضيف بأن الرئيس بوتين عازم على رفع قدرة الردع النووي لبلاده.
وكان سبق له أن تحدث عن عزمه على تخصيص حوالي نصف تريليون دولار، طوال السنوات الباقية من هذا العقد، لأغراض الدفاع الوطني. خاصة بعد اعتزام أميركا على استكمال بناء شبكة الدرع الصاروخي الواقي، في أوروبا الشرقية.
الجانب الأميركي، يقول إن التجربة الصاروخية الأخيرة ليست سوى تأكيد لمدى جاهزية الردع النووي لديه. والمعروف أن واشنطن قرّرت قبل سنتين تخصيص 80 مليار دولار لتحديث ترسانتها النووية. وبالذات قسم المختبرات فيها، إضافة إلى اكثر من مئة مليار دولار لتجديد نظام الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية.
أهمية الردع
اللافت أن التحديث الصاروخي الاستراتيجي لدى القوتين الأكبر، يرافقه خطاب حول اهمية الردع. وهي عبارة تعود إلى زمن الحرب الباردة. وقد كانت متداولة آنذاك كأحد تعبيرات سباق التسلح الذي ساد في تلك الفترة التي حسب العالم أنها فاتت إلى غير رجعة.
لكن الواقع غير ذلك، على ما يبدو. فإذا كان "العالم قد تغيّر إلاّ أن ترسانة الزمن الحالي ما زالت تحتفظ بأمتعة الحرب الباردة"، على ما قال الجنرال جيمس كارترايت، قائد القوات النووية الأميركية السابق.
قد لا يكون الواقع الراهن نسخة طبق الأصل عن الماضي الذي حكم علاقة واشنطن وموسكو. لكنه طبعة منقحة عنها. فهناك نوع من الانتعاش لمثل هذا الخطاب الردعي من الجانبين، على خلفية تراجع الثقة وتزايد الارتياب المتبادل.
بالنسبة لروسيا، يعود ذلك الى الخطوات التي اتخذتها واشنطن خلال العقد الأخير، على صعيد توسيع دائرة الناتو أو مشروع الدرع الصاروخية الواقية في شرق أوروبا القريبة من حدودها. أما واشنطن فقد اغاظها في الآونة الأخيرة ما يسميه الأميركيون بالدور "المشاكس" الذي تلعبه موسكو في اكثر من ساحة.
ويضيف الأميركيون أن القوات النووية الروسية أجرت خلال أكتوبر الماضي تمرينات على إطلاق صواريخ بالستية بالتزامن مع تشغيل شبكة الصواريخ المضادة وأن الرئيس بوتين حرص على مشاهدتها شخصياً . وقد تلاها "إيفاد قاذفات نووية روسية مرابطة في فنزويلا إلى نيكاراغوا ولأول مرة"، حسب ما جاء في تقرير لمركز الأبحاث التابع للكونغرس.
وبموجب اتفاقية ستارت -2 عام 2010، على الجانبين الأميركي والروسي، خفض الرؤوس النووية إلى 1550، بحلول عام 2018. كذلك خفض الأنظمة الصاروخية الأرضية والجوية والبحرية الناقلة لها، إلى 800.
حسب الجنرال كارترايت، يكفي أميركا 900 رأس. الرئيس أوباما تحدث عن ستارت 3 لتحقيق المزيد من الخفض، بحيث يصل إلى ثلث المتبقي في الترسانة بعد 2018. لكن المحافظين شنوا حملة على هذا التوجه. ومن جهته بوتين أبدى فتوراً حول عقد اتفاق جديد من هذا النوع. وتأتي التجارب الصاروخية الأخيرة لتزيد من استبعاد تقليص نووي آخر في المستقبل القريب.
لافتة الردع
المعروف أن منظومات الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، تحتاج إلى صيانة وتجديد. مثلها في ذلك مثل السلاح الذي تحمله. لكن التحديث الجاري وبتكلفة باهظة، يبدو أقرب إلى المنافسة المراد توظيفها في مجالات "السياسة الخارجية أو الداخلية"، الأميركية والروسية، على ما يقول أحد الخبراء في هذا المجال.
فكلا الطرفين لديه ما يفيض عن الحاجة للردع، الذي اصبح بكل حال مجرد لافتة. فهذا السلاح الذي صارت اليوم قوته التدميرية توازي ما بين ثلاثة إلى عشرة اضعاف قنبلة هيروشيما، لم يعد للاستعمال. واشنطن كما موسكو، تدرك ذلك. الدخول مجدّداً في مثل هذا التحديث يلحق الأذى بالجهود الرامية إلى منع انتشار اسلحة الدمار في العالم.
