بالرغم من الانشغال الكاسح بالملفات الخارجية الضاغطة، من إيران إلى سوريا والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، فضلاً عن تصاعد التوتر الصيني الياباني، كان للتسخين المتزايد، أخيرا، في منطقة كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان، حضوره في جدول الاهتمامات الأميركية الراهنة.

فهذه جبهة سريعة العطب وعميقة العداء وخطيرة الانفجار، الذي لا تنحصر تداعياته لو وقع على البلدين فحسب، وذلك بحكم امتلاك الجارين اللدودين للسلاح النووي.

وكانت هذه الجبهة قد شهدت وقف إطلاق نار عام 2003 بقي سارياً وبهدوء واعد، طوال عشر سنوات متتالية. فجأة عادت في الأشهر الأخيرة إلى الاشتعال وبوتيرة متصاعدة في عنف التراشق، الذي وُصف بأنه الأسوأ، بين قوات البلدين المرابطة عند ما يعرف باسم " خطّ المراقبة " الفاصل بين شقي كشمير.

وتتحدث التوقعات عن المزيد من التدهور المرتقب بين الجانبين، خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، عقب "عودة مجموعات مسلحة من حركة طالبان وعسكر طيبة الباكستانية إلى المنطقة "، كما يقال.

وربما أخذا الوضع شحنة إضافية من التصعيد في حال فوز مرشح اليمين الهندي المتشدد ناراندرا مودي في الانتخابات على رأس حكومة مانموهان سينغ.

تعزيز الحضور

لكن الاشتعال الجديد أبعد من هذه الأسباب. فقد ربط المراقبون بين عودته وبين اقتراب الانسحاب الأميركي من أفغانستان والمقرر اكتماله العام المقبل مثل هذه الأيام. وربما قبلها.

فكل من الجارين، الهندي والباكستاني، يتطلع إلى تعزيز حضوره ونفوذه في المعادلة الأفغانية غداة الانسحاب. خاصة إذا حصل على الطريقة العراقية، لو بقي الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على رفضه التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، بحيث لا تبقى أي قوات أميركية هناك بعد الانسحاب.

وحتى لو بقيت قوة أميركية رمزية هناك، فإن الساحة الأفغانية مرشحة للتحول إلى ساحة صراع بالواسطة بين نيودلهي وإسلام أباد، يحمل في طياته خطر تناسل النزاع وتمدّده في تلك المنطقة بحيث تصبح " شرق أوسط آخر" مع الفارق أن الطرفين المتصارعين هذه المرة يملكان القنبلة النووية "، حسب ما قال ستيفن كوهين الخبير في شؤون جنوب شرق آسيا في مؤسسة بروكينغز للدراسات والأبحاث بواشنطن.

ومثل هذا التخوف له حيثياته. أولاً إن استراتيجية واشنطن لما بعد المغادرة، غير واضحة ومثل العادة متذبذبة. مرة تتحدث عن الحاجة لترك قوة بين 15 أو20 ألف جندي وعدم حسم العدد يشير هو الأخر إلى ضبابية التوجّه لأغراض التدريب والعمليات الخاصة.

ومرة تحذّر الرئيس قرضاي بأنها لن تتردّد في سحب كامل القوات لو بقي يرفض إبرام الاتفاقية الأمنية. ارتباك جرى التحذير من عواقبه، من بينها " نشوب حرب أهلية وخطر تفكك أفغانستان"، حسب ما يرى رونالد نيومن السفير الأميركي الأسبق في كابول وغيره من الخبراء، من بينهم انطوني كوردسمان من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن.

ثانياً انه مهما كان حجم القوات المزمع تركها هناك لمدة عشر سنوات قد تؤدي إلى تأليب القوى المحلية خاصة القبلية ضدها، إذا لم تكن مستندة على تسوية سياسية شاملة. والمحاولة في هذا الصدد فشلت أو جرى تفشيلها، لا فرق.

ثالثاً وهنا يكمن خطر احتدام الصراع الإقليمي، أن ترك الدور الأميركي اللاحق للانسحاب في دائرة الالتباس، من شأنه تشجيع الجارين الهندي والباكستاني، على تصعيد اقتحامهما للساحة الأفغانية، لغرض سدّ الفراغ والاستقاء بحليف إقليمي جديد في الصراع المفتوح بينهما.

كما أنه يشجع القيادة الأفغانية، المتوترة علاقاتها مع واشنطن، على مغازلة قوى خارجية وبالتحديد الهند، للاستقواء بها على جارها الباكستاني الذي طالما كان طوال الحرب، موضع توجّس الأفغان وعدم ثقتهم به.

ولا زالت العلاقات في هذه الخانة بالرغم من وعود رئيس الحكومة نواز شريف بالعمل على تحسينها، ولو أن إسلام أباد ازدادت هي الأخرى توجساً بعد الاتفاقيات الأخيرة بين كابول ونيودلهي والتي شملت تقديم أسلحة هندية للقوات الأفغانية.

سباق إقليمي

ما ينذر باحتدام الأوضاع في المثلث الأفغاني الباكستاني الهندي، أن السباق على النفوذ الإقليمي بين إسلام أباد ونيودلهي متصل بصاعق كشمير سريع الالتهاب. ويزيد من حدّته وبالتالي من خطر انفجاره، أن عملية الانسحاب الأميركي ما زالت مبهمة في تفاصيلها وأبعادها.

وفي اعتقاد كثير من المراقبين أن تلويح إدارة أوباما بنسخ المغادرة العراقية في أفغانستان، من شأنه تأجيج هذا السباق المشحون بعداء قديم ووضعه على حافة خطر الانفجار، حتى وإن كان الجانبان يحرصان على اجتنابه. لكن لعبة حافة الهاوية تجرّ أطرافها أحياناً بخطأ التقدير والحسابات، إلى المواجهة.