موقع الشرق الأوسط يتراجع في سلّم أولويات أميركا

التغيير الكوري يستوقف واشنطن

أصبح معتاداً أن تُثير كل خطوة تقدم عليها كوريا الشمالية الكثير من الأسئلة والتفسيرات والتكهنات. قراراتها، كبلد مقفل، تقع دائماً في خانة اللغز. كما كانت دائماً موضع رصد، نظراً لما تنطوي عليه من أهمية أو خطورة، خصوصاً عندما يكون نظامها محشوراً في الزاوية، أو منسياً. وهذه المرة لم تشذ عن القاعدة.

ارتياب زائد

فالقرار المفاجئ بإقالة الرجل الثاني في نظام بيونغيانغ وطرده من الحزب الحاكم، مع عدد من أعوانه والمقربين منه، استوقف واشنطن، كما بالتأكيد العديد من العواصم المعنية. خاصة وأنها طالت شخصية أساسية في النظام الحاكم ومن الحلقة الضيقة في بطانة السلطة.

كما أن حيثيات القرار والطريقة التي جرى الإعلان عنها، زادتا من الارتياب بأن وراء الخطوة ما هو أبعد من تسويغها غير المقنع. فالمطرود، جانغ سونغ ثاك، يشغل عدة مناصب قيادية عسكرية وحزبية.

كان بمثابة اليد اليمنى لوالد الرئيس وقبله لجدّه. جمع بين القرابة من قمة السلطة هو زوج عمة الرئيس الحالي وبين النفوذ. المعروف عنه أنه من أبرز الرموز العسكرية والحزبية المتشددة.

ويوم تسلّم كيم جونغ أون السلطة بعد والده قبل سنتين، تردّد آنذاك أن جانغ سونغ ثاك كان بمثابة الراعي لصاحب العهد الجديد للحفاظ على الخط المتشدّد الموروث، وأنه سيكون بالمرصاد لأية توجهات إصلاحية وانفتاحية لدى الوريث الشاب غير المجرّب، بحكم تأثره بالثقافة الغربية، خلال دراسته الجامعية في سويسرا.

طبعاً كانت تلك تمنيات. محاولات التجديد لم يكن لها أثر، في كل حال.

تطهير حزبي

الآن يقول النظام إن الإقالة كانت ضمن عملية "تطهير" حزبية. يتهم المنبوذ بأنه: "حاول، مع جماعته، تقويض وحدة القيادة والحزب". كما أنه "بدّد وأنفق مبالغ من العملة الصعبة على موائد القمار، خلال رحلات علاجية إلى الخارج".

ليست المرة الأولى التي جرى فيها استبعاد أصحاب مواقع عالية في هرم السلطة الكورية الشمالية. سبق وحصل شيء منها أيام الجدّ المؤسس وابنه كيم إيل سونغ. لكن ليس من هذا العيار. ومن فرادة هذا التطور أيضاً أنه حصل الإعلان عنه بواسطة القنوات الإعلامية الرسمية.

حالة غريبة على السلوك الكوري الشمالي. ويزيد من الأهمية، ورود تهمة بحق القيادي العسكري الحزبي الكبير، بأنه "مريض أيديولوجياً". وهذا ما كان الأكثر مدعاة للتوقف عنده. ما يوحي به التعبير، أن تشدّد جانغ بات غير مرغوب به، ولا مقبول.

لكن هل هذا هو المقصود فعلاً؟ وإذا كان كذلك، فهل يعني ذلك بداية توجّه كوري شمالي مختلف، سياسي وعسكري وخاصة نووي؟ فالخلاص من قيادي بهذا الوزن ليس من غير مدلول كبير، إلاّ إذا كان قد حصل نتيجة صراع على السلطة.

مع أنه لو كان الأمر كذلك لكان، حسب خبراء الوضع في شؤون بيونغيانغ، قد جرى بصورة مختلفة، إما إقصائية سرية وإما عقابية معلنة.

تزامن مثير

يضاف إلى اللغز، أن هذا الإجراء تزامن مع ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة، بين الصين واليابان وما زال إلى حدّ ما.

ثم مع تزايد التوتر في الأيام الأخيرة بين كوريا الجنوبية وطل من الصين واليابان، بسبب تمديد المجال الجوي الكوري الجنوبي أسوة بما فعلته الصين أخيراً، بحيث يشمل فضاء ومياه جزر ليودو، بالكوري وسويان بالصيني، فضلاً عن جزر دوكدو، بالكوري، وتاكاشيما بالياباني.

وكلها جزر موضع خلاف بين الدول الثلاث، التي على ما يبدو تشهد حالة من انتعاش العصبية القومية لديها، وبما أدّى إلى توسّع رقعة النزاع الجيو سياسي المرشح للمزيد من التأزم وفق تقديرات المراقبين.

فالتداخل الإقليمي يعكس الصراع الدائر حول النفوذ ومرجعياته في منطقة شرق بحر الصين بين خصوم تاريخيين، يُمثلون المثلث الاقتصادي الأقوى في الجوار، والثاني صينياً، في العالم.

وما يضفي عليه أهمية خاصة بالنسبة إلى أميركا أنه يتقاطع، كما تقول، مع مصالحها العليا في إقليم بات الأهم في حساباتها الاستراتيجية الكونية. وإدارة أوباما لم تخف نيتها في التحول من حيث التركيز والوجود البحري العسكري الأميركي، بهذا الاتجاه.

والتطورات الأخيرة التي باتت مفتوحة في تلك المنطقة، من شأنها أن تضيف من درجة الاستدارة الأميركية شطر البحر الصيني ونزاعاته، خاصة بعدما تعدّدت أطرافه بدخول كوريا الجنوبية على خطه، مع إيلاء الاهتمام بالتطور الأخير الذي شهدته كوريا الشمالية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات