حجب الانشغال باتفاق جنيف الإيراني، وقبلها جنيف-2 السوري، إعلان إدارة أوباما عن عزمها المضي قدما في نصب شبكة الدرع الصاروخية في بولندا. وبذلك حسمت موضوعا كانت قد تعاملت معه بضبابية، لتعود إلى تبني استراتيجية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بشأنه.

تطور لا بدّ وأن يؤدي إلى رفع درجة التوتر مع موسكو، كما بدا من الردود الروسية الأولية حوله. خاصة وأنه يشي، من خلال سياقه، بأنه يأتي على سبيل ردّ الصاع إلى بوتين، الذي فرض أجندته في المنطقة، خاصة في الملف السوري. وبذلك يجري تحويل الساحات الرخوة إلى ملعب لتصفية الحسابات بين الكبيرين المتنافسين والمتعاونين في آن.

موضوع هذه الشبكة مطروح منذ عهد بوش الابن. نسجه المحافظون الجدد بزعامة ديك تشيني، نائب الرئيس السابق، بزعم أنه يرمي إلى الدفاع عن أوروبا والأراضي الأميركية، ضد خطر الصواريخ البالستية الإيرانية. لكن لم يكن خافياً أن الذريعة الإيرانية كانت للاستهلاك والتسويق. الغاية كانت زيادة التضييق على روسيا للحد من فعالية ترسانتها الاستراتيجية.

خاصة وأن هذا المشروع جاء في امتداد هجمة توسيع " الناتو " بضم عدد من دول حلف وارسو السابق إلى عضويته، كعملية التفاف لزيادة تطويق موسكو وتحقيق الأرجحية الغربية على القدرات النووية الروسية، وكذلك تقليص نفوذها في الجوار المتاخم لها. تطور أثار الحساسية الروسية وكهرب العلاقة مع واشنطن.

إعادة النظر

عند مجيئه، ألمح أوباما إلى أنه يزمع إعادة النظر في الموضوع، من باب استبدال إرث بوش " الحربي " وعقلية الحرب الباردة ليحل محلهما نهج الحوار. لكنه في مفاوضات ستارت 2 لخفض الترسانة النووية، الذي حصل اتفاق بشأنه عام 2010، أبقى المشروع معلقاً بين عدم الالتزام بتطويره وبين الامتناع عن تحديد مواقعه. لاحقاً أشار إلى بدائل ممكنة، تكون معها الشبكة بعيدة عن الجوار الروسي.

كأن يكون جزءا من قواعدها على ظهر بوارج حربية متجولة في البحر الأبيض المتوسط والجزء الآخر منها على قواعد ثابتة في أوروبا الغربية. لكنه ترك ذلك إلى ولايته الثانية. همسته الشهيرة في أذن نظيره الروسي ميدفيديف، خلال قمة كوريا الجنوبية في أبريل 2012، أراد منها تعزيز هذا الاعتقاد، وذلك عندما قال إنه بعد انتخابات الرئاسة تصبح لديه " مرونة أكبر لمعالجة موضوع الدرع ". لكنه لم يلتزم بشيء محدّد. لعبة السياسة تقتضي التمويه، حفاظاً على خط الرجعة.

الآن يبدو أن واشنطن فتحت هذا الخط. عادت إلى خيار بناء قاعدة الدرع الثانية، بعد رومانيا، في بولندا. والمتوقع انجازها بحيث تكون جاهزة للخدمة في 2018. " لم يتغير شيء ولا جدال بأن برنامج الدرع يسير على طريقه المرسوم " كما قال الوزير كيري، خلال زيارته إلى وارسو أخيرا، عشية وصوله إلى جنيف.

عزا ذلك إلى " عدم وجود اتفاق مع إيران ". لكنه بعد ثلاثة أيام وعقب انفضاض مباحثات جنيف النووية، أكّد أنه يمكنه " القول وبصورة مطلقة أن مثل هذا الاتفاق يمكن تحقيقه ". فإذا كان الأمر كذلك والاعتقاد السائد في واشنطن يرجّح تحقيقه فلا بدّ وأن الوزير كان في الصورة أثناء زيارته لبولندا،عندما أعلن عن تلاشي الضبابية والمضي قدما في بناء الدرع الصاروخية.

تقزيم الدور الأميركي

الرسالة موجهة إلى موسكو وليس إلى إيران. من الأصل روسيا هي المعنية بالدرع. العودة إلى موسكو في اللحظة الراهنة وبعد أن أخذت المبادرة في الأزمة السورية، ليس صدفة. بإنقاذها للرئيس أوباما من ورطة " الخط الأحمر "، بدت موسكو بالنسبة لدوائر أميركية عديدة وكأنها كسبت الجولة، وقزّمت الدور الأميركي في المنطقة.

أو جعلته يبدو كذلك ولو أن الإدارة الأميركية قررت اختيار مثل هذا الدور. الإدارة سارعت إلى التمسك بحبل الإنقاذ الروسي. وهو شعور ليس بعيداً عن أجواء الإدارة، التي رأت في العودة إلى موضوع الدرع ما يشكل "قرصة " لموسكو، من جهة لإجبارها على دفع ثمن التحكم في ملفات شرق أوسطية..

ومن جهة ثانية لفرملة الصعود الروسي ومحاولة ردّه إلى حجمه. مع أن هناك في واشنطن من يرى بأن تخبط الإدارة في الشؤون الخارجية مسؤول إلى حدّ ما عن هذا الصعود، الذي تزمع واشنطن لجمه من خلال رسالة زرع الدرع، كما كان مقرراً في أوروبا الشرقية.المؤكد أن هذا التطور يزيد عامل إرباك في العلاقات الباردة، في كل حال.