منذ فترة وبالذات بعد المراجعة الاستراتيجية التي جرت أواخر 2011، بدأت البنتاغون تتكيّف مع التوجه الجديد، من حيث التسليح والتواجد ،وبما يتلاءم مع التركيز على ساحات معينة ،كالحروب الجديدة التي تخاض عن بعد، فضلاً عن ضرورات الخفض في الميزانية العسكرية، في ضوء أزمة العجز والديون المتعذر تجاوزها في المدى القريب.
تحولات قضت بها تغييرات وتجارب، من صعود الصين إلى حربي العراق وأفغانستان، فضلاً عن المواجهة مع الإرهاب.
وكان من أبرز تعبيراتها الميدانية، إعادة توزيع القوة البحرية بحيث يكون تجمعها الأهم في مياه جنوب شرق آسيا بالإضافة إلى التعويل على طائرة "درونز" بدون طيار، في المناطق الممتدة من باكستان إلى اليمن والقرن الأفريقي وشمال القارة السوداء، والقائمة مفتوحة على المزيد.
وهو سلاح مرشح للتوسع والتطوير بحيث يصبح منظومة قائمة بذاتها ولها قواعدها المتحركة على ظهر حاملة طائرات خاصة بهذا الطيران مطروحة كخيار محتمل، ليقوم بمهمات حربية بعيدة المدى وضد أهداف عسكرية هامة.
توجه جديد
وفي هذا السياق تكشف البنتاغون الآن عن مشروع تعكف على استكمال جوانبه، يتعلق بتجديد أسطول القاذفات الاستراتيجية في سلاح الجو الأميركي، ما عدا الشبح الفريد B-2 التي يمتلك سلاح الجوّ منها 16 منذ 1998.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن هذا التوجه قد دخل مرحلة الأبحاث والدراسة المتوقع استمرارها خمس سنوات أخرى، يبدأ بعدها تصنيع مئة قاذفة تتميز بالقدرة على القيام بمختلف المهمات في مختلف الساحات والحروب، بكلفة 550 مليون دولار للواحدة.
رقم مرشح للارتفاع كما سبق وحصل في حالات مشابهة منها تصنيع المقاتلة F-22 والقاذفة الاستراتيجية B-2 وفي التوقعات أن يكون الأسطول في الخدمة مع حلول عام 2025. وهو أيضاً موعد مرشح للتمديد.
وفي تسويغها للمشروع تقول مصادر البنتاغون، أن القاذفات الموجودة الآن في الخدمة قد " شاخت ". خاصة الطائرة العملاقة B-52 العاملة منذ 1954 والتي تصل مسافة طيرانها إلى 8800 ميلاً من دون التزود بالوقود، وشقيقتها B-1B التي دخلت الخدمة منذ 1984. ويمتلك سلاح الجو 138 من الاثنتين، ينوي إحالتهما على التقاعد.
لكن، حسب الخبراء، يمكن تمديد العمل بهما لغاية عام 2040. إلاّ أن البنتاغون تستعجل استبدالهما بطراز أحدث، يجمع بين مواصفات هذه الاجنحة الضاربة من حيث مدى الطيران والقدرة على اختراق الدفاعات الجوية المضادة، فضلاً عن انخفاض التكلفة مقارنة مع B-2 التي بلغت كلفة الواحدة منها 1,8 مليار دولار وكلفة طيرانها 135 ألف دولار في الساعة.
اللافت أن هذا المشروع الباهظ وغير الضاغط، يأتي في زمن " التقشف " المالي. صحيح ان كلفته موزعة على أكثر من عشر سنوات. لكن أزمة الميزانية فرضت خفض الإنفاق في البنود كافة، فالمحافظون في الكونغرس لم يستثنوا حتى رواتب الفقراء التقاعدية فقطعوا منها 4 مليارات دولار سنوياً.
غير أن المقص عندما يصل إلى البنتاغون تقوم الدنيا ولا تقعد، بزعم أن الاستمرار في الخفض يهدّد الأمن القومي ! وهو بكل حال لا يزيد على 50 مليار سنوياً، حتى الآن، من أصل ميزانية الدفاع التي زادت عن 700 مليار دولار عام 2013 مع الملاحق وكلفة حرب أفغانستان وهو خفض متواضع نسبياً ويتعلق معظمه بالزوائد والهدر.
ومع ذلك تجري محاولات في الكونغرس لتقليصه. أو على الأقل لمنع زيادته في العام المقبل. فطالما هناك مجمع صناعي عسكري يسعى لتصريف منتجاته، هناك تحديث لمنظومات الأسلحة. وحيث هناك تحديث، هناك حاجة لتوفير المخصصات له.
والكونغرس لا يقصّر في ذلك. بل يفرض أحياناً على البنتاغون أسلحة لا تريدها، إما لآن تصنيعها يوفر فرص عمل في مناطق معينة، وإما استجابة لضغوط المجمّع الذي حذر الرئيس ايزنهاور في خمسينات القرن الماضي من تعاظم نفوذه.
فالضيق المالي لا يؤثر إلاّ بدرجة ثانوية على الإنفاق العسكري الأميركي. وها هو سلاح البحرية يقوم في التاسع من الجاري، بتدشين حاملة طائرات جديدة تحمل اسم الرئيس جيرالد فورد، بلغت تكلفتها 16 مليار دولار، لتصبح الحاملة رقم 12 إضافة إلى واحدة تخضع لأعمال الصيانة واثنتان في الاحتياط.
إمكانيات فريدة
البنتاغون تتمتع بامتياز في نظر صانعي القرار الأميركي. لا ينطبق عليه نسبياً، ما ينطبق على غيره في زمن الاختناق المالي. يرون في إمكاناته العسكرية، الجوية والصاروخية والبحرية وقدراته الفريدة على التحرك بعيداً عن شواطئ أميركا، عنوان " ما يجعل أميركا قوة عظمى".
