يبدو هذا التزامن أقرب إلى الصدفة. ففي الوقت نفسه الذي تشهد علاقات أميركا العربية حالة من التوتر غير المسبوق، تصاب علاقاتها مع الأوروبيين بصدمة غير متوقعة. وكأن العلة موجودة في القواعد الأميركية للتحالف. خاصة في هذا الزمن الذي يشهد ذروة التخبط والتذبذب في تعامل إدارة أوباما مع الخارج، مما يشير إلى أن الحالتين يربط بينهما قاسم مشترك، وإن كانت أسبابهما مختلفة.
فهو يتصل في الأساس بالركائز التي تنهض عليها سياسة واشنطن الخارجية، والتي ترى في التحالف صيغة من التبعية، تجيز لها أحياناً خرق المألوف، كما في التجسس مثلاً، وأحياناً التنكر لمصالح الحليف في نسجها للتسويات والمعادلات الجديدة، الإقليمية أو الدولية منها. على الأقل هكذا رأى هؤلاء الحلفاء ممارساتها الأخيرة.
فهي، بهذا المنظور، تمارس الاستئثار والتمايز إلى حدّ الاستباحة انطلاقاً من أنه يجوز لها ما لا يجوز لغيرها وأن الأطراف المتحالفة معها مربوطة باستراتيجياتها، وبالتالي فهي لا غنى لها عن هذه العلاقة، مهما بلغ التمادي الأميركي في تفرّده وقفزه فوق بديهيات التحالف. ومن هنا غضب حلفاؤها الأوروبيون حول فضيحة التنصت على قيادات أوروبية تعتبر تاريخياً من "عظام الرقبة".
ويزيد من الخيبة، أن مثل هذا النهج الخارجي، خاصة المتعلق بالتنصت، كان الرئيس أوباما من دعاة تغييره باعتباره من مخلفات سلفه بوش، التي تعهد بنسفها واستبدالها الحوار والمكاشفة. لكن، على ما بدا، الوعود شيء والعمل على ترجمتها شيء آخر.
مجازفات خطيرة
مهنة التجسس ليست جديدة، فقد مارستها الامبراطوريات والدول منذ القدم، خاصة في زمن الحروب. وكانت تعول على العنصر البشري والتسلل إلى داخل الجبهات، لجمع المعلومات. كما كانت في معظمها تقتصر على الجانب العسكري.
وصارت واحدة من مهام الدول ومؤسساتها الرسمية. الكل يعرف أنها غير مشروعة، وتنطوي على مجازفات خطيرة. لكن كل من يمتلك أدواتها، يمارسها بدرجة أو بأخرى.
أثناء الحرب الباردة دخلت التكنولوجيا بقوة على عالم التجسس، خاصة في مجال الرصد من الجو بواسطة الأقمار الاصطناعية. آنذاك أنشأت واشنطن "وكالة الأمن القومي"، وهو فرع تجسسي مختص بالتنصت عبر الأقمار الأميركية على حركة الاتصالات السوفييتية ، بغية جمع ما أمكن من معلومات وأسرار حولها.
ثم بمرور الوقت وسّعت الوكالة دائرة رصدها، لتشمل مواقع ومناطق أخرى في العالم. بذلك تضخم دورها وصارت واحدة من أضخم مؤسسات جمع وغربلة وتحليل المعلومات، التي يجري توظيفها في رسم الاستراتيجيات وصياغة السياسات الأميركية.
وقد تغوّلت مع ثورة الاتصالات، حيث باتت تملك تجهيزات مذهلة في القدرة على الاختراق، كما في طاقاتها على استيعاب بيانات بحجم "عدة مليارات من الغيغابايتات"، وتشمل كل ما تنقله وسائل الاتصال الإلكتروني في عالم اليوم. والأهم من ذلك أن بإمكانها في ضوء المعلومات التي تجمعها، القيام "برصد أنماط ونماذج ونشاطات معينة" لجهات أو أفراد، يجري انتقاؤها للتركيز عليها ومواصلة رصدها وتتبع آثارها.
التنصت على الحلفاء
الجديد هنا أن هذه الإمكانيات الهائلة جرى توظيفها منذ سنوات طويلة للتنصت على هواتف حلفاء مثل أنجيلا ميركل وفرانسوا هولاند، ناهيك عن أسبانيا والبرازيل والمكسيك ودول شرق أوسطية حليفة. والأمر المحيّر هو لماذا التمادي في التجسس إلى هذا الحدّ؟ وما الداعي له؟ وهل كان أوباما على علم بالأمر وسكت؟ والأدهى من ذلك إذا كان غير مطلع على الأمر.
أسئلة طغت على المشهد في واشنطن منذ افتضاح أمر التنصت. الإدارة تعاملت مع الإحراج بأسلوب الغمغمة. المسؤولون توزعوا الأدوار، منهم من نفى علم الرئيس.
ومنهم من تذرع بأن مثل هذه الأمور لا تصل بالضرورة إلى مكتب الرئيس، أما الكونغرس فقد آثر الدفاع عن العملية وتبريرها بحجة الدواعي الأمنية، وبأنها توفر الحماية حتى للأوروبيين، في حين أن الكثير من الردود طغى عليها طابع الدهشة. ومنها ما انطوى على التخوف من عواقب هبوط الثقة لدى كثيرين من الحلفاء، الذين تحتاج واشنطن إلى تعاونهم في هذا الظرف الدولي العصيب.
من التفسيرات المتداولة في واشنطن أن طول باع الوكالة أدّى إلى انفلاتها. ويجري التلميح إلى تحميل المسؤولية إلى رئيسها الجنرال كيث الكسندر المرشح ليكون كبش الفداء. لكن الخلل أبعد من شطط وكالة.
وهو كامن في مفهوم العلاقات الأميركية مع الخارج، كما في إدارة هذه العلاقات في هذا الظرف الانتقالي البالغ التعقيد، وبشكل محدّد مع حلفائها، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على صيغة هذه العلاقات. وربما إعادة صياغتها، على الأقل من جانب عدد من هؤلاء الحلفاء على امتداد العالم، مع ما يحمله ذلك من تبدّل مواقع في المعادلة الدولية القائمة.
