آخر التقارير حول غزو الصين لأسواق الأسلحة العالمية، كانت "صادمة" لواشنطن، بحسب التعليقات الأميركية بشأنها.

وربما كانت كذلك بالنسبة لموسكو، فالصناعة الحربية الصينية بدأت تتسلل وبنجاح إلى دائرة المنافسة للبائعين الكبيرين، ليس فقط في مجال الأسلحة الخفيفة، بل أيضاً على مستوى التكنولوجيا العسكرية المتطورة ومنتجاتها من المعدات الحديثة ومنظوماتها الدفاعية الفعّالة. والأخطر أن هذا الاختراق حصل في أسواق كانت مضمونة لواشنطن، سواء بحكم التحالف أو لجهة اعتماد بلدانها تاريخياً على التسليح الأميركي.

وكأن في ذلك بداية عملية قضم للحصة الأميركية من تجارة السلاح. كما، وهذا هو الأهم، للسياسات التسليحية لتلك البلدان، وبالتالي لمدى تعويلها على العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة وتعاونها معها.

فأن يختار حليف قديم، مثل تركيا، التزوّد بشبكة دفاع صينية مضادة للصواريخ وتفضيلها على مثيلتها الأميركية أو حتى الأوروبية، ليس بالأمر العابر. فالقرار الذي اتخذته أنقرة أخيراً في هذا الخصوص "أذهل" المعنيين في واشنطن، على حدّ تعبير"نيويورك تايمز" التي أفردت للموضوع زاوية على صفحتها الأولى.

قفزات نوعية

تراقب العيون الأميركية باستمرار، القفزات النوعية التي تحققها بكين على كل صعيد، خاصة العسكري. فتراكم الإنجازات الصينية المتصاعدة، مشروع منافسة لها. لا يشكل، كبديل يشق طريقه بوتيرة متسارعة، مزاحمة داهمة.

لكنه بديل مقبل. كانت التقديرات تتحدث عن فاصل زمني لا يقل عن جيل، قبل أن تتمكن الصين من اللحاق بالتكنولوجيا الغربية. خاصة العسكرية منها. اليوم هبطت الفجوة إلى حدود عقد واحد من الزمن.

ويعود ذلك، حسب الخبراء إلى عوامل عدة تتراوح بين "الثمن المغري" للمعدات الصينية، قياساً بالأسعار الأميركية وغيرها، وبين خلو المبيعات الصينية من "القيود والشروط" على استخدام هذه الأسلحة أو تحويلها إلى أطراف أخرى، كما هي الحال في المبيعات العسكرية الأميركية.

وزاد من الصدمة في واشنطن أن تركيا سبق وأعطت الإشارة على رغبتها في الحصول على درع "باتريوت" الأميركية، عندما طلبت تزويدها بهذه المنظومة لنصبها على حدودها مع سوريا على إثر تزايد التوتر بينهما خلال الأزمة السورية. وقد تحقق طلبها.

كان ذلك، في حسبان واشنطن، بمثابة مؤشر على أن تركيا قد حسمت خيارها باتجاه شراء هذه الدرع التي تبلغ كلفتها مليارات عدة من الدولارات. لكن فجأة صارت الصفقة من حظ بكين. مع أن تكامل الشبكة الصينية مع التجهيزات العسكرية الغربية في تركيا، "قد يتسبب بخلق بعض الصعوبات".

القرار التركي، من منظور أميركي، سياسي أكثر مما هو عسكري. وقد أعربت واشنطن عن "قلقها" للمسؤولين الأتراك في هذا الخصوص. وقد مثل ذلك اختراقاً للتكامل العسكري بين دول "ناتو" الذي تملك فيه تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية.

نمو عسكري

لكن عدم الارتياح بشأن قرار تركيا يبقى مؤقتاً، قياساً بالقلق تجاه تنامي البناء العسكري الصيني، كقوة إقليمية من جهة وكتجارة وتمدّد في الخارج من جهة أخرى. لقد "آن الأوان للتخلي عن النظرة القائلة إن الإنتاج الحربي الصيني محكوم بالضعف والمحدودية، كما كان عليه لغاية 2005.

المطلوب الآن التركيز على ما تشهده قطاعات المجمع الصناعي العسكري الصيني من تطور على مستوى التصاميم والتحديث والإنتاج للأسلحة المتطورة"، كما جاء في دراسة أعدتها مؤسسة "براند" الأميركية للأبحاث والدراسات.

ليس ذلك فحسب، بل ان التمدّد في تسويق هذا الإنتاج بات يكتسب المزيد من الزخم. خاصة في المجال الجوي. وبيع الشبكة لتركيا، محطة فارقة في هذا المجال. وأهمية مثل هذه الصفقة أنها تفتح الباب وتشجع دولاً أخرى على شرائها. فالصين تحقق خطوات مهمة وسريعة في المجال العسكري الجوي إجمالاً.

صار لديها طرازان من المقاتلات الحربية. إحداها JF-17 يجري تصنيعها في مشروع مشترك مع باكستان، كما نسب إلى مسؤول صيني قوله. وربما تكون إسلام أباد قد قررت شراءها، فيما قررت الأرجنتين شراء مروحيات صينية. هذا عدا عن التجارة العسكرية المتزايدة في أفريقيا وغيرها.

الصين باتت الدولة الخامسة في العالم بالنسبة لتصدير الأسلحة. صعدت من المرتبة الثامنة في 2007 إلى الخامسة في 2012، حسب ترتيب مؤسسة استكهولم لرصد تجارة السلاح في العالم.

صحيح أن حصتها ما زالت هزيلة بالنسبة لحجم هذه التجارة، التي تبلغ أكثر من 73 مليار دولار سنوياً والتي تسيطر أميركا على أكثر من نصفها. لكن دخولها إلى دائرة الدرع الصاروخية مع القدرة على تصديرها، يشكل خطوة نوعية استوقفت واشنطن، المتوقفة وفي أحسن الأحوال المتعثرة، ماكينتها هذه الأيام، في الداخل وإلى حدّ بعيد في الخارج.