على الرغم من أن التعليق اقتصر على جزء محدود من المساعدات العسكرية لمصر، إلا أن قرار الإدارة الأميركية ، في هذا الخصوص، كان له وقعه في واشنطن. فهو يقطع سياسة متواصلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتتمتع بتأييد واسع في الكونغرس، ثم مع دولة بحجم مصر ومع التزام يتعلق باتفاقية كامب ديفيد ، التي تحرص كافة الدوائر الأميركية المعنية على دعمها وعدم الإخلال بالتزاماتها.
لكن مع ذلك فإن قرارها لم يأت من خارج السياق، كما يرى فريق من المتابعين لمنحى سياسة إدارة اوباما في المنطقة. فحسب هذه القراءة، فإن ذلك يتجاوز في أبعاده طابعه العقابي ليندرج في خطّ التخفّف من الالتزامات الأمنية وثمة من يسميه الخط التراجعي الذي تعتمده إدارة أوباما في الشرق الأوسط ، والذي بدأ في العراق ، ويتجه إلى أفغانستان مرورا بسوريا.
تعليل أميركي
الإدارة الأميركية عللت قرارها بأنه جاء وسيلة ضغط على "القيادة العسكرية المصرية " كي تنتهج مسار التغيير الديمقراطي في المرحلة الانتقالية، وذلك كرد فعل على الأحداث الأخيرة ، جراء المصادمات بين القوى الأمنية والمتظاهرين. شمل ذلك وقف تزويد مصر بدبابات مفككة يجري جمعها في مشاغل القوات المسلحة المصرية..
ومروحيات أباتشي الهجومية وصواريخ هاربون وغيرها من المعدات. وكان قد سبق لواشنطن أن اتخذت خطوة مشابهة ،عندما أعلنت قبل فترة قصيرة أنها قد تؤجل تسليم مقاتلات من طراز أف -16، وأنها ألغت للمرة الأولى المناورات مع القوات المصرية، لهذه السنة، كرد على تعامل السلطات بخشونة أمنية سقط خلالها عدد كبير من الضحايا المدنيين. وفي تلك الأثناء التقى مسؤولون أميركيون مع القيادة في القاهرة ..
وأدركت واشنطن أن اتخاذ خطوات ضاغطة من هذا النوع لن يكون مجديا. وتأكد ذلك لها بعد شطب المناورات التي لم يمنع تكرار المواجهة الأمنية الدامية. وفي ضوء كان واضحاً بأن تعليق بعض المساعدات العسكرية لن يكون له مفعول ردعي، كما تزعم واشنطن.
إذاً لماذا لجأت إليه إدارة أوباما ؟
انتصار مزعوم
إن الانتصار المزعوم للديمقراطية لا يستقيم مع الموقف الأميركي الضبابي من التطورات التي شهدتها مصر منذ ثلاثة أشهر. كانت واشنطن مع التغيير ومع الشرعية الانتخابية في آن اعتمدت سياسة الالتباس. بدا ذلك، من حيث المبدأ، أن مسألة الديمقراطية ما عادت تمثل " مصلحة حيوية " للولايات المتحدة، كما سبق للرئيس أوباما أن شدّد على هذا التعريف.
التجربة في المنطقة، منذ العراق ثم بعد أحداث " الربيع العربي"، أثارت الكثير من الجدل في واشنطن، حول مدى جدارة سياسة الإصرار على التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. هناك اعتقاد راسخ بأن التربة هناك ليست جاهزة بعد لغرسة الديمقراطية. كذلك أثارت المساعدات لمصر نقاشاً واسعاً، كان مقدمة على ما ظهر للبدء في عملية تفكيكها بالتقسيط .
وربط المراقبون بين الخطوة الأخيرة تجاه مصر وبين سياسة " نفض اليد " وابتلاع الخط الأحمر تجاه سوريا، من ناحية التزامن كما من ناحية الطابع المشترك بينهما . فقد حصلا تباعاً، بفارق أسابيع قليلة. ثم أنهما يندرجان في خانة "انحسار الدور الأمني" لأميركا في المنطقة. عزوف في سوريا وبداية فتور تجاه مصر. وفي الحالتين تجري تغطية الانحسار بزعم مناصرة المخارج السياسية الديمقراطية في الساحتين.
لكنه في الحقيقة ينطوي على تحوّل كبير تخشى دوائر كثيرة من انعكاساته السلبية على المعادلات القائمة في المنطقة. وفي هذا الصدد يعيد هؤلاء التذكير بالمراجعة الاستراتيجية التي أجراها البنتاغون في يناير 2012 والتي أشارت إلى ضرورة " إعادة التوازن " للقوة الأميركية في آسيا. يعني تعزيز الوجود العسكري خاصة البحري، في ضوء الصعود الصيني في الإقليم .
الخفض المالي الذي فرضه عجز الموازنة، اقتضى إعادة ترتيب الأولويات. الشرق الأقصى بثقله الاقتصادي وقوته الصينية يتقدم على الشرق الأوسط الذي بدأت أولويته تتراجع في ضوء المستجدات بالنسبة لأمرين استراتيجيين: إسرائيل والنفط. الأولى تعيش الآن في ضوء ما يحصل في المنطقة، "عصرها الذهبي " أمنياً كما قال الجنرال الإسرائيلي المتقاعد آموس جيلاد في محاضرة له في واشنطن قبل ايام.
وبالتالي لم تعد أولوية أميركية بالمعنى الأمني. الثاني أن إنتاج الطاقة في أميركا شهد قفزة كبيرة، خاصة في الغاز الطبيعي، وبما يجعلها أقل اعتماداً على الخارج. وتنفي واشنطن أنها في وارد الانسحاب من الشرق الأوسط. لكن بوادر الانحسار تتوالى.
