كان توقيع وزير الخارجية الأميركي جون كيري على "معاهدة تجارة السلاح" الدولية ، رغم طابعه الرمزي ، واحداً من جملة التطورات الفارقة التي شهدها الأسبوع الأول من افتتاح الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة هذه السنة.
وكانت الجمعية قد اعتمدت هذه الاتفاقية في إبريل الماضي بأغلبية كاسحة. وعادة ما تكون القابلية الأميركية ضعيفة تجاه الاتفاقيات الدولية، خاصة الاتفاقيات ذات الطابع الأمني أو العسكري.
وفي حال إقرارها تأتي موافقتها متأخرة. ويعود ذلك إلى ثقافة التمايز التي تحكم صناعة القرار الأميركي، حيث يطغى الاعتقاد بأن واشنطن تقود، ولا تتبع، وأنها تعمل بمقاييس مختلفة عن غيرها. لكن هذه المرة، كان التجاوب ملفتاً في سرعته.
لم تتأخر إدارة أوباما في الانضمام إلى الموكب الدولي في هذا الخصوص. ربما يأتي ذلك في سياق تأكيدها على مذهبها المنادي بالحوار والتفاهم في التعامل مع كل ما يتصل بقضايا الأمن والنزاعات ومشتقاتها العسكرية، في العالم.
تضييق العسكرة
لكن إلى أي حدّ يمكن لهذه المعاهدة أن تخدم الغاية في تضييق أنابيب التسلح والعسكرة، خاصة في مناطق النزاع والمعروفة بالإساءة لحقوق الإنسان والاعتداء على المدنيين الآمنين ؟ ثم ما هو حظّ تصديق الكونغرس الأميركي عليها ؟
وُلد هذا المشروع أواخر القرن الماضي، من فكرة مؤداها أن هناك حاجة لوضع مدوّنة قواعد تحكم تجارة السلاح في العالم، وتدعو كافة الدول للتقيد والالتزام بها. غزارة المنتجات الحربية، وظمأ أسواقها المشروعة وغير المشروعة، ساهم في تفاقم النزاعات وطول أمدها، وبالتالي لا بدّ من ضوابط تلجم تدفق الأسلحة علّها تخفف من مآسي العنف.
طرح الموضوع في عام 2001 " كبرنامج غير ملزم "، أمام مؤتمر للأمم المتحدة حول تجارة الأسلحة الخفيفة، في محاولة لمنع هذه التجارة، ولاحقاً للتخلص منها نهائياً. بعد خمس سنوات من المتابعة، تطور الموضوع، ووجد طريقه إلى الجمعية العامة، التي اعتمدت قراراً عنوانه: نحو معاهدة لتجارة السلاح تضع معايير دولية للتصدير والاستيراد ولتحويل السلاح من طرف إلى آخر.
ثم بعد سبع سنوات من تبادل وجهات النظر حوله، طرح مشروع المعاهدة في أبريل الماضي على الجمعية العامة التي صوّتت لصالحه، بأغلبية 153 ضد 3 دول، هي إيران وسوريا وكوريا الشمالية، مع امتناع عشرين دولة عن التصويت من بينها روسيا والصين. وفي 26 سبتمبر الماضي، انضمت واشنطن إلى قافلة المؤيدين.
نقلة نوعية
وصول المشروع إلى هذه النقطة هو بحدّ ذاته نقلة نوعية إلى الأمام. على الأقل لكون ذلك اعترافا عاما بأن انتشار السلاح التقليدي بات خطره يفوق الخطر الواقعي لأسلحة الدمار الشامل، الباقية إجمالاً خارج الميدان. النقص فيه أنه لا يشكل سوى عملية رقابة ومتابعة يحددها الضبط الذاتي ومدى التزامه بالقواعد المحددة في المعاهدة.
فليس في هذه الأخيرة آليات لرصد الخروقات ومعاقبة مرتكبيها من الدول الأعضاء. ثم أن هذه المعاهدة لا تصبح نافذة إلاّ بعد أن يجري تصديق المؤسسات المعنية عليها في خمسين دولة على الأقل. حتى الآن حصلت سبع مصادقات. وفي ضوء السوابق لن يكون الكونغرس الأميركي من المبكرين على تصديقها.
اعتراضات المحافظين فيه بدأت تتوالى قبل أن يجف حبر توقيع الوزير كيري. خاصة وأن لوبي الأسلحة في واشنطن سارع إلى شنّ حملة ضد المعاهدة وإدارة أوباما معها. فهي تعوق تجارة الشركات التي يمثلها.
المشكلة الأخرى أن محاولة من هذا النوع، على رخاوتها، تواجهها مصالح ضخمة لتجارة تفوق قيمتها السنوية 70 مليار دولار، تمثل المبيعات العسكرية في العالم، والتي يعود نصفها وأكثر لشركات السلاح الأميركية.
صحيح أنها تمثل نسبة صغيرة في الإنفاق العسكري العالمي الذي يبلغ حوالي تريليون ونصف التريليون من الدولارات سنوياً، الذي يذهب معظمه للتسليح الذاتي في الدول الصناعية الكبرى.
لكن صادرات السلاح تتعدّى في أهميتها، قيمتها المالية. ذلك أنها تشمل ملحقات كثيرة مثل التدريب وقطع الغيار فضلاً عن التعاون الأمني ونسج العلاقات العسكرية بين الدول المنتجة للسلاح والمستوردة له، مع كل ما يوفره ذلك من عوامل تصبّ في خدمة الأغراض الاستراتيجية للدول الكبرى.
مسرح المداولات
الأسبوع الماضي ، حضرت أسلحة الدمار، النووي والكيماوي، كما الأسلحة التقليدية، على مسرح المداولات في الأمم المتحدة. كانت صدفة نادرة. لكنها ليست من غير مدلول. الحاجة إلى ضبطها، كانت القاسم المشترك بينها. الواقع التسليحي قائم طالما بقيت الصراعات المحلية والجيو- استراتيجية قائمة.
وهي كذلك وحتى أمد غير منظور. لكن ذلك لم يمنع التوصل إلى اتفاقيات لحظر ومنع انتشار أسلحة الدمار. ولو انها لا تخلو من الشوائب. الآن جاء دور الأسلحة التقليدية. أهمية هذه المعاهدة أنها البداية لعملية ضبطها، علّها تساهم في التخفيف من حدّة النزاعات ومآسيها.
