اختلف المشهد، إلى حدّ كبير، هذه السنة في افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

لم يكن مجرد مهرجان سنوي حاشد للدبلوماسية الدولية، كما جرت العادة، بقدر ما كان أقرب إلى ساحة اختبار لنوايا ومبادرات واستحقاقات متعلقة بملفات خطيرة، ذات أبعاد استراتيجية إقليمية ودولية، تقف على الحافة بين الحرب والتسوية.

كما بدا هذا المشهد بمثابة اختبار أيضاً لدور المنظمة الدولية، التي جاءتها الأطراف المعنية بحثاً عن الصيغ والمخارج القابلة للتوافق، من باب إدراك أهمية هذا الدور كمرجعية وكآليات تنفيذ.

جوهر المفارقة

المفارق أن كبار الساعين، بضغط الحاجة، للتلاقي ولتعطيل صاعق التفجير عبر المنظمة الدولية، هم أنفسهم كبار المعطلين منذ فترة طويلة لهذا الدور، الذي يفترض أن يكون الركيزة الأساسية لضبط النزاعات، التي تهدّد الأمن والسلم في العالم.

وقد وصل التمادي في هذا الخصوص إلى حدّ بدا معه مجلس الأمن، في الآونة الأخيرة، وكأنه كتب على بابه: مقفل حتى إشعار آخر، بسبب أعمال التصليح. أو كأنه بات رهينة أصحاب الفيتو الذين تناوبوا على تعطيله.

موسكو التي اقفلته وحجزت مفتاحه في الأزمة السورية، جاء دورها في التعطيل. وواشنطن التي أقامت الدنيا ولم تقعدها إزاء مثل هذه المصادرة، غير مقصّرة هي الأخرى في ممارسة اللعبة نفسها.

فهي "لا تلجأ إلى الأمم المتحدة إلا بعد انسداد أبواب الخيارات الأخرى، أو عندما يتعذر عليها ترجمة سياستها"، على ما ذكر بعض المحللين. فقفزها من فوق المنظمة الدولية أو نسف قرارات مجلس الأمن بالفيتو، ممارسة مزمنة.

آخر نماذجها كان في الآونة الأخيرة، عندما أعلنت الإدارة الأميركية قبل أن تتراجع أنها لا ترى ضرورة لانتظار صدور تقرير مفتشي الأمم المتحدة بشأن "كيماوي الغوطة"، كي تقوم بعمليتها العسكرية ضد سوريا. تعامل فوقي اعتمدته الإدارات الأميركية بدرجة أو بأخرى. والآن ترد موسكو باللغة ذاتها وأكثر.

الآن يعودان إليه من بوابة الشرق الأوسط. ملف "الكيماوي السوري" بدأ يتعثر. صيغة قرار مجلس الأمن، مدار خلاف بين أن يكون ملزماً أم لا. ثم كان مجيء الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الأمم المتحدة، الذي خطف الأضواء.

ما سبق وصوله من مراسلات مع واشنطن ومقدمات إعلامية غير اعتيادية بلغتها وخطابها الواعد، فتح باب النووي الإيراني على احتمالات التسوية، حسب مختلف القراءات. وإن مع التحفظ الشديد حتى لدى الدوائر الأكثر تفاؤلاً، بانتظار الاطلاع على العرض وتفاصيله والدخول في المساومة حوله. فهذا ملف يحظى بالأولوية في واشنطن. كما كان في الأمم المتحدة. كما هو مرتبط إلى حدّ بعيد بالأزمة السورية. بل ثمة من يرى أنه أحد مفاتيح حلّ هذه الأخيرة.

منبر للخلافات

في الملفين لا بدّ من توافق دولي. من قرار دولي. والأطراف المعنية بحاجة إلى ذلك. لكن كل طرف يرى العلّة في مصدر هذا القرار، وهو الأمم المتحدة، ليعفي نفسه من مسؤولية أي قصور. واشنطن تشتكي من تعقيدات وأنظمة المنظمة الدولية التي تحول دون صدور قرار بشأن سوريا.

وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن واشنطن طالما استندت إلى هذه الأنظمة نفسها لحماية إسرائيل من قرارات دولية ملزمة. الرئيس أوباما قال ذات مرة ان "الأمم المتحدة هي منبر لزرع الخلافات وساحة للمناورات السياسية واستغلال المظالم بدلاً من حل المشكلات". وهذا أيضاً صحيح إلى حدّ ما. لكن واشنطن استخدمت هذا المنبر، في كثير من المرات، للغرض نفسه.

السوابق العديدة من هذا النوع، شجّعت على تعطيل مجلس الأمن بالطريقة التي حصلت إزاء الأزمة السورية. ومثل هذا التذكير يتردد اليوم في بعض الحلقات الأميركية، البحثية والأكاديمية، من دون أن يعني تبرير الإغلاق الروسي لمجلس الأمن.

"فما زلنا نتصرف على أساس ان واشنطن هي عاصمة العالم. وبالتالي فإننا لا نذهب إلى الأمم المتحدة، إلاّ حين تتعثر ترجمة الخطط وفق توقعاتنا"، على ما قال مايكل دويال، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا في نيويورك، في إحدى مقابلاته.

الأمم المتحدة ليست منبراً للمطالعات والمرافعات الدبلوماسية فحسب. فهذه من لوازم الأداء. وفي الأساس، فإنها تعتبر مرجعية لحماية الأمن والسلم في العالم. هذه هي الغاية منها.

ولحين التزام الكبار بالعودة إلى التعامل معها على هذا الأساس والكف عن استخدامها كدرع استنسابي، فإنها محكومة بأن تبقى في دائرة العجز عن النهوض بدورها المطلوب.