تعاملت واشنطن وموسكو مع الأزمة السورية من البداية كأداة. كلاهما رأت فيها ساحة ملائمة لتصفية حسابات وتحقيق مكاسب استراتيجية، على حساب الآخر.

مزاعم حرص الجانبين على حقوق الإنسان ومآسي السوريين، كما على حقوق السيادة وعدم جواز التدخل من دون قرار دولي، كان كله لحجب تحويل سوريا أو بالأحرى تحوّلها برضاها إلى دولة متلاعب بها، وليس فقط إلى ساحة لعب.

واشنطن آثرت الابتعاد عنها لعدة أسباب، منها ترك هذه الأزمة لتتحول إلى مستنقع، تغرق فيه القلة الباقية من حلفاء موسكو في المنطقة. بذلك، تخسر هذه الأخيرة ركائزها في الإقليم، كما تخسر العالم العربي، الذي لا بدّ وأن يزداد نفوره منها في النهاية، بعد خراب سوريا.

موسكو كانت لها أيضاً حيثياتها في دعمها غير المحدود للنظام السوري. منها، وربما أبرزها، جرّ أميركا لتوريطها في حرب استنزاف شرق أوسطية جديدة. كانت لعبة عضّ على الأصابع بينهما. لكن بعد سنتين ونصف السنة من تصاعد النزف والنزوح والخراب، بدا أن كليهما في ورطة.

صارت المسؤولية أكبر من المردود، وصار منسوب الخطر أعلى من القدرة على تجاهله. دعم موسكو وسدّها لباب مجلس الأمن الدولي، صار فاضحاً. وعزوف واشنطن مع تذبذبها، بات هو الآخر محرجاً. فجأة جاء "الكيماوي" من العيار الكبير لينقذ الاثنين. فكانت الصفقة المعروفة، التي ينتظرها امتحان صعب.

القراءة الراجحة في واشنطن أن هذا التطور، أو المخرج، جاء عند هذا المفصل من مسار الأزمة السورية؛ نتيجة لتقاطع مصلحة استراتيجية أميركية روسية، تتمثل في الحاجة إلى درء خطر قوى التطرف في المنطقة.

فهذه القوى منحتها الأزمة السورية شحنة من الزخم والحضور، لأسباب مختلفة، منها تشرذم المعارضة. دخول "الكيماوي" على الخطّ، فاقم احتمالات هذا الخطر، وسرّع بالتالي الخطى نحو تضافر الجهود للعمل على سحب الفتيل قبل فوات الأوان.

"يعتقد الرئيس بوتين أن ما يصفه بالتشدّد الإسلامي يمثل الخطر الأمني الأكبر. لكنه لا يقبل أن تنفرد واشنطن في رسم الصيغة الجديدة للمنطقة. لذلك رأى في مأزق إدارة أوباما الأخير، فرصة مناسبة لمعالجة مشكلة مشتركة"، كما قال هنري كيسنجر.

مثل هذا التفسير لدينامية الصفقة، يعتمده الكثيرون من مرجعيات الشؤون الاستراتيجية في واشنطن، منهم زبغنيو بريجنسكي، الذي قال في أول تعليق له على الموضوع إن: "الروس قلقون من احتمال انفجار المنطقة" ووصول الشظايا إلى منطقة القوقاز، التي تشهد حالة حراك إسلامي رافض للوجود الروسي، ومنه ما بدأ يأخذ طابع "العنف المتصاعد".

وثمة من أصحاب هذه القراءة من لا يستبعد أن يؤدي التلاقي حول هذه المصلحة إلى الخلاص من الكيماوي السوري، علاوة على النظام نفسه.

"فمن الممكن اجتراح صيغة من هذا القبيل، في ضوء انتهاء ولاية الرئيس الأسد أواسط العام المقبل؛ خاصة وأن هناك حراكاً على جبهة الحوار الأميركي- الإيراني قد يؤدي إلى "حالة تهدئة أو تفاهم بين الطرفين" على ما يرى بريجنسكي.

والحديث هنا عن "مرحلة انتقالية على واشنطن العمل من أجلها من غير أن يجري ربطها بإزاحة الرئيس السوري".

لكن هذا كله مرهون أساساً بنوايا موسكو وبجدّية سلوكها هذا السبيل المشترك. الأمر الذي يحظى بكثير من الشكوك في أوساط المحافظين، وهم أصحاب التفسير المقابل.

فموسكو، حسب قراءة هؤلاء، اقتنصت فرصة وأحسنت توقيتها، من موقع الرصد المتأني لتخبط إدارة أوباما في تعاطيها مع الملف السوري، والذي قادها إلى الوقوع في ورطة محرجة كشفت خواء تهديدها من جهة وعدم قدرتها على تسويق قرارها الذي تهيبت، في آخر لحظة، الذهاب بمفردها في تنفيذه.

خلل أعطى الدبلوماسية الروسية فرصة الظهور كمنقذ وأيضاً فرصة العودة "كلاعب مهم" في الشرق الأوسط من جديد. وموسكو بذلك أخذت المبادرة في المنطقة، ولا ترمي إلى ما هو أبعد من ذلك.

وهو تعليل على وجاهته، يؤخذ عليه في واشنطن أن دوافع أصحابه سياسية في الأساس، غرضهم تسجيل نقاط ضد الرئيس أوباما، الذي لم يقصّر هو الآخر في منح الذرائع لهم.

الأزمة السورية زادت من ارتباك واشنطن المرتبكة سياستها الخارجية أصلًا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، على الرغم من أنها القطب الأقوى في السياسة والاقتصاد. لكنه قوة تشكو من التناقص.

 "لا شك أن الهيمنة الأميركية تعاني من الهبوط، ولو أنها ما زالت الأقوى، خاصة في الشرق الأوسط"، كما يقول بريجنسكي. وكأنه يقول إن زمن ولادة تعدد القطبية قد بدأ. فهل يكون التعاون الروسي - الأميركي في سوريا أحد أهم بواكيره؟