أعاد «كيماوي» غوطة دمشق وما يهدّد به من نذر، في المنطقة، فتح ملف هذا السلاح الفتاك وتسليط الأضواء على مختلف محطات تطوره واستخدامه وانتشاره.

وقد كشف فيض المراجعات لهذا الشريط، بأن ترسانة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في غير مكان، باتت أخطر من النووي، على اعتبار أن هذا الأخير لا مجال لاستعماله مرة أخرى بعد هيروشيما إلاّ في حالة الانتحار الطوعي. في حين أن الأول تكرّر اللجوء إليه من غير وازع أو رادع.

بل ثمة ما يهدّد باتساع دائرة استخدامه، في ضوء تزايد إنتاجه. خاصة أن بعض مخزوناته تقع في ساحات مضطربة قد تفسح المجال لمنظمات إرهابية بالسطو عليها.

طفرة كيماوية

وتشير الوقائع والمعلومات المتداولة إلى تضافر عوامل أدت إلى طفرة كيماوية، في العقود الأخيرة. منها التحايل الذي حجبه الجشع التجاري لمصادر وشركات متعددة الجنسيات. من بينها شركات أوروبية وأميركية، ساهمت في توفير مكونات هذا السلاح، عن طريق بيعها كمواد للاستعمالات المدنية.

ومن هذه العوامل أيضاً، القصور والتهاون في ضبط الثغرات الموجودة في اتفاقيات الحظر الدولي سارية المفعول. هذا التراخي سمح بتدفق المواد اللازمة لتصنيع هذه البضاعة الحربية المخيفة في عدد من الدول.

ليس فقط في سوريا بل أيضاً في غيرها، مثل كوريا الشمالية وباكستان، التي أشارت تقارير استخباراتية أميركية، في الآونة الأخيرة، إلى «امتلاكها عدة مختبرات خاصة بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية»، ترى فيها مصدر صداع آخر لناحية «إمكانية وقوعها بيد المتشددين».

السلاح الكيماوي قديم. ومثلت محاولات منعه أول سعي من هذا النوع حصل في عام 1675، حين جرى التوافق بين فرنسا وروما حول «عدم استخدام الرصاص السام». ومع تطور الأسلحة الحربية بعد الثورة الصناعية، أقرت العديد من الدول في مؤتمر الهيغ في هولندا عام 1899، عدم اللجوء إلى «الغازات الضارة» في زمن الحروب.

تبع ذلك اتفاق مشابه، أواخر العقد الأول من القرن العشرين. لكن كل تلك التعهدات تبخّرت مع احتدام معارك الحرب العالمية الأولى، حيث سقط «نحو 90 ألف ضحية ونحو مليون جريح» من جرّاء استخدام السلاح الكيماوي، الذي كان «الألمان أول من زجّه في المعركة».

مجزرة أدت إلى ولادة «بروتوكول جنيف عام 1925 الذي قضى بحظر استخدام الكيماوي في الحروب». وقد حظي بموافقة معظم دول العالم. الولايات المتحدة تأخرت خمسين سنة للموافقة عليه.

معالجة الفجوة

لكن الاتفاقية الأولى من نوعها، لم تفلح في إزالة استخدام هذا السلاح، لأنها لم تمنع إنتاجه وتخزينه. هذه الفجوة سمحت باستمرار تصنيعه، المحكوم في النهاية بوضعه موضع التنفيذ، في لحظة أو في أخرى.

وهكذا كان. في 1941 استخدم موسوليني «مئات الأطنان من غاز الخردل في إثيوبيا». كما استعمل اليابانيون «الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في مناطق صينية عدة»، خلال احتلالهم لها. كما قيل إن مثل هذه العمليات حصلت أثناء حرب اليمن في الستينات. كذلك من المعروف أن القوات الأميركية لجأت إلى نوع من «مبيدات الأعشاب» في حرب فيتنام.

وبعد أقل من عقد زار الكيماوي ساحة الحرب العراقية ــ الإيرانية، لتأتي مع نهايتها مجزرة حلبجة الكردية، التي سرّعت بعقد «مؤتمر الأسلحة الكيماوية» عام 1993، والتي عالجت قراراته النقص الذي شاب اتفاقية العشرينات، إذ لم تقض فقط «بمنع استخدام الكيماوي بل أيضاً بمنع امتلاكه وتصنيعه ونقله من يد إلى أخرى».

ومع ذلك وعلى الرغم من أنه حظي بتوقيع 189 دولة ثم بتصديقها عليه، إلا أن المنع ما زال متعذراً. على الأقل منع الاستعمال.

نووي الفقراء

«نووي الفقراء» كما يسمّى، يصرّ أصحابه على استعماله لإبادة بعضهم البعض. بدءاً من علي الكيماوي في العراق، إلى غاز «سيرين» الغوطة الشامية.

ولا ضمان من العودة الموسّعة إليه، في لحظة شديدة الالتهاب والجنون الدموي في بعض ساحات المنطقة، التي تهدّد لعبة الموت فيها بإشعال مواجهات غير معروفة المآل والنهايات. ولعلّ هذا الانفلات يلعب دور الحافز لعودة فاحصة لكل أسلحة الدمار، من باب الحاجة إلى تطويق مخاطرها بصورة حازمة، من خلال إجماع دولي فعّال تجري ترجمته بصيغة ملزمة ومتحررة من الثغرات.

 لكن ذلك مرهون، كما علمتنا التجارب، بمدى جدّية الكبار في تقليص ترسانات سلاحهم النووي ووضعها على طريق التلاشي. بخلافه، من الصعب التخلص من كيماوي الآخرين. فسلاح الدمار الكبير يستولد سلاح الدمار الأصغر، مع كل ما يحمله من تهديد للسلم والأمن في المنطقة والعالم.