منذ أشهر ووزارة الدفاع الأميركية عاكفة على عملية إعادة هيكلة قطاعاتها العسكرية وما يترتب عليها من تنظيم جديد لعلاقاتها فيما بينها، وفق ما تقتضيه المستجدات المتمثلة بأمرين رئيسيين: خفض موازنة البنتاغون وشروط الحروب الجديدة.

ووسط هذه المراجعة، التي يقول المراقبون إنها الأولى من نوعها منذ سقوط جدار برلين، والتي لن تنتهي قبل مطلع العام المقبل، يتردّد أن القيادات العسكرية تمارس نوعاً من المنافسة، للاحتفاظ بأكبر شريحة من فطيرة موازنة البنتاغون الدسمة والتي تمثل حوالي سدس الموازنة الأميركية 672 مليار دولار لعام 2013 والتي لا يتقدمها سوى موازنتي وزارة الصحة والضمان الاجتماعي. فهي اعتادت على نمط غزير من الانفاق، منذ حوالي خمسين عاماً.

وكان يقال إنه زائد عن الحاجة، ولم يخل من التبذير في شراء فائض لا لزوم له من الأسلحة. لوبي المصنع العسكري يعمل على ترويج بضاعته، والكونغرس كان وما زال يلبي بل يضيف إلى المشتريات، لحساباته الانتخابية.

لكن هذا النمط مطروح تعديله الآن لدواعٍ مالية، تعزّزها الاعتبارات الميدانية الجديدة. وإن كانت نسبة الخفض ضئيلة، حيث لا تقل عن واحد من أصل 12 من إجمالي الانفاق العسكري الأميركي، الذي يبقى أكبر من مجموع إنفاق الدول الصناعية الكبرى مجتمعة على حاجاتها الدفاعية.

ومع ذلك فهو يثير ما يشبه المزايدة بين القيادات العسكرية، على أهمية دور كل من قطاعاتها الخمسة: القوى الجوية، البحرية، المارينز، المشاة، والقوات الخاصة لكل واحد من هذه القطاعات النخبة، القبعات الخضر، الرانجرز والنيفي سيل.

وهو خروج على المعتاد في سلوك الجيش الأميركي، خاصة على مستوى قياداته غير المعروف عنها التحدث بلغة وجوب إعطاء الأفضلية لقطاعاتها، أو على الأقل بلغة التحذير من تجاهل أهمية هذه القطاعات، مما يدل ليس فقط على تزاحم مهني، بل أيضاً على قدر من الخشية الكامنة، فيما يتعلق بمستوى الهيمنة العسكرية الأميركية في العالم.

حتى الآن، تقول مصادر البنتاغون: " لم يحصل أي تغيير ولكن كل شيء على الطاولة" ويشمل ذلك، خفض عدد القوات، التسليح التقليدي، التداخل بين وظائف القطاعات وحتى المذهب القتالي. وتنطلق المراجعة حسب هذه المصادر، من تحديد الأولويات، على أساسين اثنين: خفض الأحجام وضمان سرعة العمليات العسكرية.

وواضح أن البند الثاني جاء في ضوء حربي العراق وافغانستان، من زاوية الحرص على عدم تكرار تجربة حروب الغزو والزحف الاحتلالي. كما في ضوء مستلزمات الحرب الجديدة ضد عدو "مجهول عنوانه"، وهو الاسم الحركي الأميركي للحرب على الإرهاب.

وينعكس ذلك، حسب المتداول، في المطالبة بخفض قوات المشاة من 490 ألفاً إلى حدود 420 ألفاً وهو الرقم الأدنى منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية ولو أن قيادة هذه القوة تعمل على رقم بين الاثنين، كي لا تخسر المزيد من حصتها والتي كانت موجودة في الأحوال العادية، باستثناء حالتها في حربي العراق وأفغانستان.

أي بحدود 25% من موازنة البنتاغون، فيما كانت وما زالت حصة القوتين البحرية والجوية تتراوح بين 30% - 35% من الموازنة. وتمثل الأخيرتان أولوية بالنسبة لإدارة أوباما التي تعطي الأولوية لحوض الباسفيك الآسيوي.

والمعروف أن سلاح البحرية يمثل نقطة المركز والتقاطع لبقية القطاعات العسكرية الأميركية التي تحتاجه لمهمات متعددة، تبدأ بالنقل وتنتهي بالإمدادات مروراً بخدمات حاملات الطائرات التي تحتاجها أسلحة الجو والمارينز والمشاة والقوات الخاصة. وهي خدمات متداخلة يجري العمل على فصلها تحاشياً لتكرار المهمات.

ثم هناك السلاح الجديد، طائرات درون، التي تسعى كل قطاعات الجيش لامتلاكها، والتي يقول الخبراء انها مرشحة لتكون الأداة العسكرية الرئيسية في حروب المستقبل التي باتت في صدارة لائحة المشتريات العسكرية.

منذ ما بعد الحرب الباردة؟ التوقعات تتحدث عن تعديل مرتقب في الاستراتيجية الحربية الأميركية يلائم الظروف الجديدة. جاءت حروب بوش وتداعيات الأزمة المالية المتواصلة لتفرض التعجيل بإعادة النظر هذه.

لكن الإدمان الأميركي على الهيمنة العسكرية في العالم، لا يحتمل التغيير بمعنى التنازل عن فائض القوة الكاسحة. ما يجري في هذه المراجعة لا يزيد عن تقليم كمي يجري التعويض عنه بالفائض النوعي.

ويجري ذلك من ضمن رسم استراتيجية الحروب المقبلة على أساس أن يكون التعويل فيها على التكنولوجيا المكلفة بمهمات يجري التحكم فيها عن بعد، والتي تقلل الاعتماد على العامل البشري وتحقق أقصى المردود الحربي، في آن، فضلاً عن تواضع كلفتها قياساً بالأسلحة الأخرى ومتطلباتها الميدانية. وتمثل طائرة "درون" النموذج المتقدم في هذا المجال.