توقفت الدوائر الأميركية المعنية باهتمام عند إطلاق بكين ،أخيرا، لقطع بحرية حديثة خاصة بقوات حرس الشواطئ. ومع أن القوة ليست من العيار الوازن، لا من حيث الحجم أربع سفن فقط ولا من حيث نوعية التسليح؛ إلاّ أنها أثارت الكثير من التساؤلات والقلق في واشنطن والجوار من عدة نواح.

فإعادة تجديد وتوحيد مختلف فروع حرس الشواطئ، تأتي في سياق تطوير بكين لقوتها البحرية عموماً ورفع وتيرة جاهزيتها ووجودها في الإقليم. كذلك تأتي في إطار توسيع الصين لمدى مياهها الإقليمية ،بما يحمي مصالحها الحيوية، كدولة عظمى في المنطقة. أي بما يتعدّى المدى المحدد بمسافة 22 كلم في الاتفاقية الدولية لعام 1982.

ثم لأنها أرسلت هذه القطع فوراً إلى المياه المتاخمة لمناطق وجزر متنازع على السيادة حولها. خاصة مع اليابان والفلبين. وكانت الخلافات في هذا الخصوص قد بلغت، قبل أشهر حدود الاحتكاك؛ بين بحريتي الجارين اللدودين، اليابانية والصينية. ومنها ما وضعته مانيلا أمام محكمة العدل الدولية للبت بأمره.

دفعة أولى

ويمثل هذا التطوير، حسب مصادر اميركية ، الدفعة الأولى لمشروع ينتهي بعد سنتين لبناء 30 سفينة حربية لحرس الشواطئ.

ومع أن الجهات الصينية تشدّد على أن هذا التجديد ليس سوى عملية إعادة هيكلة لهذه القوة التي تحتاجها الدول لحماية حدودها البحرية، إلا أن المراقبين رأوا فيها " رسالة أخرى " إلى من يهمه الأمر طوكيو والآخرين ومن خلالهما واشنطن بأن بكين عازمة على بسط سيادتها على المياه المجاورة التي تمتد إلى أكثر من مئتي ميل.

وبالتحديد باتجاه اليابان. ولا تبدو طوكيو أقل تشدّداً في بسط سيادتها على المنطقة نفسها التي تبعد عنها مسافة مماثلة وأكثر. وهنا مكمن التخوف من احتمال وصول الاحتقان، في وقت ما، إلى نقطة الاحتكاك بين الجانبين؛ في ضوء الحشد العسكري البحري في المنطقة المتنازع عليها.

المسألة أبعد من خلاف على ملكية وسيادة مجموعة جزر صغيرة غير مأهولة. أكبرها " سنكاكو " بالياباني و " دياويو " بالصيني، لا تزيد مساحتها عن 4,3 كلم مربع. تبعد عن البرّ الصيني 330 كلم و 410 كلم عن أقرب جزيرة يابانية في الجنوب. تزعم طوكيو أنها طالما كانت تحت إدارتها.

خاصة بعد ان اشترت 3 جزر منها في 2012 من مالكها الياباني. بكين تردّ ان هذه الجزر من مخلفات الامبراطورية اليابانية التي ينبغي تصفية إرثها. سيما وأنها الأقرب إلى تايوان، 170 كلم، التي تعتبرها بكين جزءا من الوطن الأم.

سبب رئيسي

وبرغم الذرائع بأنها منطقة غنية لصيد الأسماك ،وربما ترقد على مخزون مهم من النفط والغاز الطبيعي، عدا عن قربها من خطوط الملاحة التجارية؛ إلاّ أن السبب الرئيسي وراء التوتر يكمن في خليط من العوامل السريعة الالتهاب، والتي تتراوح بين النية في تصفية حسابات ورواسب قديمة وبين استيقاظ النعرة القومية وانفعالاتها، مروراً بالصراع الجيو - سياسي في المنطقة.

تزايد الحشود وكثافته على تخوم هذه المنطقة البحرية الحساسة، وصفة لأزمة قيد الصيرورة. الصين ارسلت بحرية حرس الشواطئ إلى جوار الجزر مع طائرات للإنذار المبكر ،" لم يسبق لها ولا لأي طيران صيني أن دخل أجواءها من قبل ". البحرية اليابانية هي الأخرى ترفع من وتيرة حضورها في المكان. وربما هي تستقوي بمعاهدة الدفاع المشترك مع أميركا الملزمة بموجبها بالدفاع عن كافة الأراضي " الواقعة تحت الإدارة اليابانية ".

واشنطن تصبّ الماء البارد على الخلاف الصيني الياباني. بل ثمة في واشنطن من يرى في تعزيز قوة حرس الشواطئ الصينية خطوة " إيجابية " من باب أنها تساعد على ضبط " الفوضى " في بحر جنوب الصين، لناحية الصيد وغيرها.

خاصة وأن سفن هذه القوة مزودة بالسلاح الخفيف، مقارنة مع القطع البحرية الأميركية واليابانية والكورية الجنوبية في تلك المياه. لكن ذلك لم يحجب عدم الارتياح الأميركي من مواصلة الصين لصعودها البحري المتواصل في الإقليم.

ولو أنه صعود بطيء وفي بداياته، وليس مرشحاً لمزاحمة القوة البحرية الأميركية في المستقبل المنظور. لكنه يحدّ من هيمنة هذا الأخيرة، في تلك المياه. وقد تبدّى ذلك في مؤتمر حول سلامة الملاحة البحرية انعقد قبل أيام في بكين، حيث دارت نقاشات عدد من جنرالات البحرية الأميركية المتقاعدين الذين شاركوا في أعماله؛ حول آثار توجّه الصين لتعزيز قوة حرس الشواطئ لديها. ففي واشنطن خشية من أن يتطور الاحتقان الصيني الياباني المتفاقم، إلى مواجهة تؤدي إلى توريطها.