التجربة الناجحة لهبوط طراز جديد متقدم من الطائرات الموجهة عن بعد «درون» على مدرّج حاملة طائرات، رأت فيها البحرية الأميركية قفزة نوعية، ليس فقط لضم هذا الشبح إلى سلاحها، بل أيضاً لتحويله لاحقاً إلى منظومة عمليات متكاملة، لها حاملة طائراتها الخاصة بها.
طموح تقول مصادر البنتاغون إنها طالما سعت إلى تحقيقه، لما ينطوي عليه من مكاسب نوعية متعدّدة. فهو يعزّز حضور أساطيلها المتجولة في المياه الدولية. يعطيها قوة نارية فعّالة من دون الاقتراب من المخاطر.
يسمح هذا التحوّل للبنتاغون، الذي انتقلت إليه معظم عمليات «درون»، بعد أن كانت بعهدة وكالة «سي آي إيه»، خاصة في أفغانستان وباكستان، بالاستغناء عن كثير من القواعد الأرضية لهذا الطائر، والموزعة في عدة بلدان شرق أوسطية وافريقية، عندما يصبح هذا النظام جاهزاً للخدمة في سنة 2020.
وكان من الطبيعي أن يفتح هذا التوجه شهية المجمع العسكري الصناعي، الذي بدأت شركاته الكبرى تتزاحم للفوز بالشق الأكبر من كعكة هذا المشروع الدسم، كما للفوز بأسواق الاستيراد الخارجية المحتملة لمثل هذا السلاح، الذي بدأ يأخذ موقعه المتقدم في تشكيلات الجيوش وعملياتها العسكرية.
ميزتان مهمتان
برزت طائرة «درون» الاستطلاعية منها والقاذفة، في السنوات الأخيرة، كسلاح فعّال وزهيد الكلفة. امتلاكها لهاتين الميزتين، في زمن نزيف الحروب البرية وفي وقت الضيق المالي، دفع بها كخيار مهم وأساسي في حروب المطاردة التي تشنها واشنطن ضد «القاعدة» وبقية المجموعات المسلحة المشتبكة معها.
طول باعها ومدة طيرانها ودقة استهدافاتها، جعلت منها مشروع منافسة بين شركات التصنيع، لتطويرها بما يتناسب مع حاجة سلاح البحرية، الذي كان أول من سارع إلى اختيارها، لتعزيز قدراته الجوية على حاملات طائراته.
خاصة وأن مشروع المقاتلة الحديثة «إف 35» تأخرت مواعيد إنتاجه، وزادت كلفته، مما طرح إمكانية خفض العدد إلى النصف، من 4 آلاف إلى ألفين.
الطراز الذي جرت عليه التجربة «X- 47B»، أنتجته شركة نورثروب ـ برامن، الأكثر تقدماً في عالم الطيران الخارق. هي التي صنعت القاذفة الاستراتيجية «B -2»، ذات التكلفة الخيالية، 2 مليار دولار للطائرة. وقد استوقفت مواصفات الـ «درون» الحديثة خبراء سلاح الجو، كجيل جديد من هذا الطيران بقدرات خاصة.
طراز «C» منها، المقرر إنتاجه لاحقاً، قادر على حمل أسلحة بوزن حوالي 14 طناً، بمدى يصل إلى 3900 كلم، وعلى علو أربعين ألف قدم. ومن المخطط أن يعمل هذا النموذج، الذي أبصر النور بعد عشر سنوات من الأبحاث والتجارب، وفق نظام قيادة وسيطرة خاصة به، كما هو حال المقاتلات العادية العاملة من على ظهر حاملات الطائرات.
أهمية عسكرية
وتعود شدة المنافسة بين الشركات المصنعة ــ نورثروب، بوينغ، لوكهيد وجنرال أتوميكس ــ لأهمية مثل هذه المنظومة في التسليح الحديث، كما لأهمية أسواق المستوردين للأسلحة الأميركية.
فالصناعات الحربية الأميركية لديها نوعان من الزبائن: البنتاغون وهو الزبون الأول. بلغت مشترياته في 2012 ما يزيد على 109 مليارات دولار، ثم الدول الصديقة، التي بلغت مستورداتها من الأسلحة الأميركية 63 مليار دولار في ذلك العام، حسب مكتب الأبحاث التابع للكونغرس. ولو أن هذا الرقم مجادل فيه من قبل «مؤسسة ستوكهولم للأبحاث في شؤون السلام العالمي»
. في أية حال المبالغ هائلة وشديدة الإغراء للمجمع الصناعي الأميركي، لاسيما في الساحة الآسيوية. فالهند تحتل اليوم مرتبة المستورد الأول للسلاح، وبعدها كوريا الجنوبية، خاصة للأسلحة البحرية، بحكم التمدّد الصيني البحري وما أثاره من توترات في الإقليم.
وهذه أسواق قادرة على الإنفاق وبما يعوض على البائع الأميركي هبوط المشتريات العسكرية الأوروبية منه بمقدار 20% بين 2008 و2012، بحكم الأزمة المالية المتواصلة في أوروبا. وهنا يأتي نظام «درون» الجديد، ليشكل السلعة المرغوبة التي تطمح صناعة الطيران الحربي الأميركي في ترويجها في الأسواق الآسيوية خصوصاً.
إنجاز تاريخي
هبوط «درون» الجديدة لأول مرة على مدرّج قاعدة عائمة، وضعه المراقبون في خانة الإنجاز «التاريخي». من ناحية؛ هو تمكين إضافي للقوة البحرية الأميركية ولاستراتيجية شنّ الحروب من بعيد، التي اعتمدها الرئيس أوباما، وبدعم من البنتاغون. كان هذا التحوّل حسب مقاربته، أهم دروس حربي العراق وافغانستان.
ومن ناحية ُثانية هو يشكل شحنة زخم لمبيعات الأسلحة الأميركية، في وقت ينخفض فيه الإنفاق العسكري الأميركي ولو بنسبة ضئيلة؛ 50 ملياراً من أصل موازنة البنتاغون السنوية 715 ملياراً، المرشحة للهبوط بعد الانسحاب من أفغانستان العام المقبل.
