المناورات البحرية المشتركة الروسية الصينية، التي جرت بين الخامس والثاني عشر من الشهر الجاري، أكثر من مجرد تمرينات عسكرية. مدلولاتها تتعدّى حجمها، على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتحمل في ثناياها رسائل إلى الجوار، كما إلى واشنطن. أخذت حصة لافتة من الاهتمام، ليس فقط لأنها الأولى من نوعها أو لأنها حصلت في مكان حسّاس، بل أيضاً وبالدرجة الأولى لأنها جرت في هذا الوقت بالذات.

بعد استراتيجي

توقيت المناورات أعطاها بعدها الاستراتيجي، لناحية العلاقات المتطورة بين موسكو وبكين والتي يقول بعض الخبراء انها تبدو سائرة نحو "شراكة استراتيجية "؛ كما لناحية الدور "المشاكس " الذي يلعبه الجانبان تجاه واشنطن في زمن تراجع دورها وحضورها على الساحة الدولية.

وهذا ما استوقف عدداً من المراقبين وخبراء الشؤون الصينية والروسية المتابعين لتطور العلاقة بين الجانبين وحملهم على التحذير من تمادي هذا الثنائي في استضعاف القوة العظمى وممارسة التحدّي لها في أكثر من ملف وساحة.

قفزة في التعاون

السنوات العشر الأخيرة شهدت قفزة في التعاون العسكري الصيني الروسي. مشتريات بكين العسكرية معظمها روسية. كما جرت مناورات عسكرية مشتركة، ولو محدودة، بينهما.

ولم يكن صدفة أن يتطور التقارب بينهما في هذا المجال، في الوقت الذي كان التوتر، الظاهر أو المستتر، يشوب علاقة كل منهما مع أميركا. وقد ظهر بوضوح في لقاء أوباما بوتين قبل أسابيع في قمة الثمانية بإيرلندا.

تنوّعت الأسباب : من الدرع الصاروخي الأميركي المزمع نصبه على تخوم روسيا، إلى الأزمة السورية والمنافسة في آسيا الوسطى، مروراً بالجوانب الاقتصادية والمالية الأميركية الصينية وانتهاء بالتمدّد الصيني في المحيط والذي بلغ حدود الأزمة مع اليابان حول جزر غير مأهولة يدّعي كلاهما سيادته عليها.

في السياق ذاته، جاءت المناورات الأكبر والأولى من نوعها وفي مياه بحر اليابان؛ لتؤشر في عدّة اتجاهات.

اختيار المكان لمثل هذا التمرين غير المسبوق، ينطوي على رسالة تضامن روسي مع بكين بخصوص الجزر المتنازع عليها مع طوكيو. انعكس ذلك في نوعية الأسطول الثنائي المشارك.

طبعاً لا تقارب هذه التشكيلة، 18 قطعة، قدرة البحرية الأميركية المرابطة في المياه الآسيوية. لكن أهميتها أنها تأتي في طور متقدّم لمسار التصدّي وأحياناً التحدّي، الروسي الصيني للنفوذ الأميركي، في غير مكان وقضية.

مسار بلغ ذروته مؤخرا في الأزمة السورية، التي باتت أسيرة القرار الروسي أساساٍ ومعه الصيني على صعيد الفيتو في مجلس الأمن.

كما بلغ هذا الذروة في عمليات الاختراق الالكتروني الفضائي، التي يقال ان الصين تمارسها لكمبيوترات كبريات الشركات الحربية والمدنية الأميركية. هذا عدا عن مسائل أخرى وتصفية حسابات قديمة، يرى الثنائي أن اللحظة الأميركية المرتبة مواتية لها.

حالة تراجع

لا ينكر كبار الاستراتيجيين الأميركيين أن أميركا " في حالة تراجع " على الساحة الدولية. زبغنيو بريجنسكي من أبرز المعترفين بهذا الواقع، الذي تتعدد قراءات أسبابه.

منها ما يعزيه إلى تفاقم التحديات الداخلية خاصة بعد زلزال 2008 المالي وتداعياته على صعيد العجز في الموازنة وتراكم المديونية العامة وما نتج عنه من عسر مالي جعل أميركا تنكفئ وبالتالي تترك فراغات يملؤها غيرها.

ومنهم من يعزيها إلى مغامرات بوش والمحافظين الجدد التي دفعت أميركا إلى حربين تعذر فيهما الحسم وبات طموح واشنطن السعي للخلاص منهما بشيء من حفظ ماء الوجه القريب من الهرولة لتقليل الخسائر.

وهذه التجربة التي اكتوت بها أصابع القوة العظمى، انعكست سلباً على تأكيد الحضور الأميركي، خوفاً من أن يقود الاضطلاع بدور ما أو التدخل بدرجة ما، إلى ورطة عسكرية لا يحتملها الرأي العام الأميركي.

خاصة مع رئاسة أوباما التي اعتزمت الابتعاد عن مثل هذه الخيارات، حيث ترى فيها مجازفة لا تخدمها ولا يجوز لها الإقدام عليها.

وهناك في صفوف المحافظين من يأخذ بشدة على هذه المقاربة التي انطوت على رسائل التقطها الروس والصينيون والإيرانيون، وراحوا يمارسون سياسة القضم من النفوذ والهيبة الأميركيين.

"يدلّ سلوك موسكو وبكين على أنهما تعتقدان بأن تحدّي الولايات المتحدة كلفته قليلة" على ما يقول لازلي جالب، الرئيس الفخري لـ"مجلس العلاقات الخارجية ": صحيح أن التفوق العسكري الأميركي لا يضاهيه خصم، لكن هذه القوة "ليس لها قيمة لناحية قدرتها على ترجمة السياسات على الأرض".

خاصة في ضوء ما يرافقها من عزلة وضبابية وتردد في الآونة الأخيرة، طبعت سياسة أوباما في سوريا ومصر على وجه التحديد.

في ظلّ هذه المعادلة حملت المناورات رسالة برسم التراجع الأميركي.