التحول المفاجئ في موقف حركة " طالبان " تجاه خيار الحوار، بحثاً عن تسوية سياسية لمرحلة ما بعد الانسحاب من أفغانستان، باغت الدوائر الأميركية.

وانفتاحها على القبول بالترتيبات المتوازنة والتلميح باستعدادها لتلبية مطالب وشروط كانت مستبعدة فيما مضى، عزّز الاعتقاد بأن فرصة إطلاق عملية السلام هذه المرة أوفر حظاً من المحاولات السابقة.

ومع أنها بدت معنية أساساً بتسويق نفسها على أنها الطرف الأفغاني الرئيسي في المعادلة، إلاّ أنها لم تتعامل مع الممانعة التي واجهتها من هذه الناحية بموقف سلبي يسقط خيار الحوار.

وقد فرض عليها ذلك التراجع في الشكليات، من دون أن يؤدي إلى انهيار الخيار. قرب استحقاق الانسحاب وربما الطموح بصفقة مع واشنطن ، لا تبدو هذه الأخيرة بعيدة عنه، وقد كفل وعلى الأرجح سيكفل الاستمرار في طريق البحث عن صيغة مخرج سياسي للحرب.

محاولات متعددة

محاولات فتح باب الحوار والتفاوض بين واشنطن وحركة " طالبان " الأفغانية ليست جديدة. وكان لها أكثر من بداية. بل إن أول محاولة جرت في أواخر عهد الرئيس كلينتون عام 1998. آنذاك جرى اتصال هاتفي بين الملا عمر، عبر أحد مساعديه ووزارة الخارجية الأميركية.

لكن في كل مرة تعذّر الانطلاق مجددا. في عام 2010 جرت اتصالات بين الحكومة الأفغانية والحركة، بتسهيل من حلف " الناتو " الذي عمل على توفير أجواء آمنة للحوار. وقد ساعدت إسلام اباد في ذلك، بتعهّدها أن بإمكانها دفع قيادات طالبان إلى طاولة المفاوضات. لكن العملية انتهت بلا جدوى.

كانت فجوة انعدام الثقة واسعة بين الطرفين. في ضوء ذلك لم تعد واشنطن متحمسة للمصالحة. وقد صعّدت من العمليات العسكرية واعتمدت سياسة الملاحقة " لقتل وأسر " قيادات حركة " طالبان ". وتركز تعليلها على أن الخلاص من طاقم القيادات العتيقة من شأنه أي يؤدي إلى مجيء جيل قيادي جديد قد يكون أكثر انفتاحاً على فكرة التسوية السياسية والمشاركة في الحكم.

في 2011 تجدّدت الاتصالات بين واشنطن و" طالبان "، التي تحركت في أواخره باتجاه فتح مكتب لها في الدوحة. في المقابل، تبلورت القناعة في واشنطن بأن المفاوضات هي السبيل الوحيد لطي صفحة الحرب. لكن مرّة أخرى تضافرت الظروف غير المواتية، لإفشال السعي في هذا الخصوص.

بدلاً من ذلك، تصاعدت العمليات في شرق أفغانستان المتاخمة لباكستان. كذلك تعاملت كابول مع هذا التوجه بريبة. كانت لديها خشية من أن يؤدي التواصل بين واشنطن والحركة إلى التفاوض المباشر من وراء ظهر الحكومة. لذلك عملت على تخريب فتح المكتب في قطر من خلال طرح أمكنة بديلة له كتركيا أو السعودية.

لكن بالنهاية تعثرت المحاولة. كانت الشكوك طاغية وضغوط اللحظة غير ناضجة. موعد الانسحاب ما زال على بُعد ثلاث سنوات. وكل طرف عاد إلى حساباته الميدانية، باعتبارها مفتاح تحسين شروطه التفاوضية لاحقاً.

لغط وتساؤلات

في أواخر يونيو الماضي، عادت الأمور إلى نقطة المكتب في الدوحة. ترافق الإعلان عن فتحه مع إشكالات كادت، لولا التوقيت، أن تنسف مشروع الحوار. مسارعة الحركة إلى تقديم المكتب وكأنه سفارة "لإمارتها"، أثارت كثيراً من اللغط والتساؤلات في واشنطن.

ناهيك عن الاعتراض الغاضب من جانب الحكومة الأفغانية. ومع ذلك لم تتراجع الإدارة الأميركية عن اللقاء مع ممثل طالبان في الموعد المحدّد. وكأن واشنطن حرصت على أن لا يفوتها اللقاء كافتتاح للحوار المنشود. بل هي تعاملت مع هذا الافتتاح وكأنه "اختراق".

إدارة أوباما مسكونة بهاجس الانسحاب في موعده. وأفغانستان صار ذكرها متلازماً مع كابوس الانسحاب السوفييتي وتداعياته. واشنطن لا تحتمل شيئاً منه. لكنها ليست متأكدة من التركة. الوضع الأفغاني مفتوح، وإن مع اختلاف الظروف مع الاحتلال السوفييتي.

ومن هنا عدم قدرة البنتاغون حتى الآن، على رفع توصية إلى الرئيس بعدد القوات التي ينبغي تركها هناك بعد الانسحاب للتدريب والعمليات الخاصة . الحجم يتراوح كما يتردد، بين 8 آلاف و10 آلاف جندي.

وكانت هناك اقتراحات بان لا يقل عن 15 أو 20 ألفاً. التذبذب عائد إلى عدم الاطمئنان مما ستكون عليه الساحة الأفغانية بعد الانسحاب. المطمئن الأساسي، أن "طالبان " أعطت إشارات واضحة حسب ما يقال، حول استعدادها لفك علاقتها بـ" القاعدة".

التزامها بهذا البند، يبرر لواشنطن نوعاً من الانسحاب الذي يحفظ ماء الوجه. بل يحفزها على عدم التردد بعقد صفقة مع "طالبان" والرئيس الأفغاني الجديد في الربيع المقبل، حتى ولو أغاظت حليفها اللدود الرئيس قرضاي.