عندما يقول جون كيري وزير الخارجية الأميركي، في خطابه بنيودلهي أخيراً، إن "الهند جزء رئيسي من إعادة التوازن الأميركي في آسيا"، فكأنه يعلن بأن العلاقة مع بلاد غاندي باتت مرشحة للارتقاء من مرتبة الشراكة إلى مرتبة التحالف الأمني الإقليمي معها.

وكان سبق للوزيرة كلينتون أن وصفت الهند قبل سنتين، بـ "الشريك الذي لا غنى عنه" في آسيا. وبدا كلام كيري وفي هذا الوقت بالذات وكأنه رسالة موجهة إلى أكثر من لاعب في المنطقة.

خصوصاً إلى باكستان والصين وأفغانستان وحتى إيران وروسيا. علاقات واشنطن مع هذه البلدان، في أحسن أحوالها صعبة ومتوترة، تواجه معها تشكيلة معقدّة من التحديات، الأمنية والاستراتيجية والعسكرية. من الصعود الصيني إلى الانسحاب الوشيك من أفغانستان مروراً بالمشاكسة الروسية والصداع النووي الإيراني.

الهند، في المقابل، ثقل يمكنه تحقيق بعض التوازن في المعادلة الآسيوية متزايدة الأهمية. فهي قوة متنامية في طريقها لتحتل المرتبة الاقتصادية الثالثة في العالم في المستقبل القريب. وقد راكمت خبرات تكنولوجية حديثة ملحوظة وتعمل على تأكيد حضورها العسكري خاصة البحري، بثبات ولو ببطء.

في ذات الوقت تجمعها بواشنطن هواجس مشتركة، خاصة صينية وباكستانية، ومصالح متقاطعة في العمل على ولادة أفغانستان مستقرة. كما أن علاقاتها مع موسكو فاترة لحساب روابط متنامية مع أميركا. وضعية تعمل واشنطن على توظيفها في لحظة انتقالية مأزومة، آسيوية ودولية،

حصلت الاستدارة الهندية نحو الغرب، غداة الانهيار السوفييتي. بدأت عن طريق الاقتصاد والتبادل التجاري. أخذت تتطور بالتدريج وبحذر. الرئيس بوش الابن بادر إلى فتح "حوار استراتيجي" مع نيودلهي. لكن طبخته بقيت على نار خفيفة.

الظروف والتحديات الآسيوية لم تكن ضاغطة يومذاك. خاصة الصينية والأفغانية. مع مجيئه، رفع أوباما منسوب الاهتمام بالهند. في مطلع 2010، بدأ بتطوير العلاقة من خلال شراكة اقتصادية مالية معها.

وتواصل الحوار بينهما، إلى أن قام أواخر العام الماضي بزيارة رسمية إلى الهند، كانت فارقة في تاريخ العلاقات. تعمّد أن لا تشمل جولته باكستان. علامة تمايز في العلاقة النامية مع الخصم اللدود لهذه الأخيرة، التي كانت الخطوط متأزمة بينها وبين واشنطن.

وكان أوباما الرئيس الثاني بعد نيكسون الذي خاطب البرلمان الهندي، والأول الذي وعد بدعم منح الهند مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. تطور كان بمثابة اعتراف بثقل الهند واستحقاقها لعضوية نادي الكبار.

وفي ظلّ هذه الأجواء تمّ التوقيع على اتفاقية "الشراكة الاستراتيجية الهندية الأميركية " التي شملت جوانب نوعية عديدة، من النووي المدني الذي تعثر تطبيقه بعض الشيء إلى بيع طائرات النقل الضخمة سي17 ومحركات طائرات إف-14 وغيرها. وقد تمّ التوقيع على شراكة مماثلة بين الهند وأفغانستان عام 2011، بدت وكأنها أتت في السياق التحالفي ذاته في المنطقة.

على هذه الخلفية جاءت كلمة الوزير كيري الأخيرة في نيودلهي، حول "الشراكة الاستراتيجية الهندية الأميركية"، ليس فقط للتنويه بمدى تطور العلاقات الثنائية بل أيضاً للتأكيد على أهمية "الشريك الهندي غير الاعتيادي"، في ملفات استراتيجية، مثل موضوع "الاستقرار في منطقة تهمّ العالم بأسره ومجالات التأهب الدفاعي ومحاربة الإرهاب والتطرف"، مكرّراً دعم واشنطن لحصول الهند على عضوية كاملة في مجلس الأمن الدولي، كما في هيئات ومجموعات دولية وإقليمية مثل "مجموعة المورّدين للمواد النووية ومجموعة الرقابة على تكنولوجيا الصواريخ والمجموعة الاسترالية".

وللمرة الأولى يقول مسؤول أميركي من هذا الوزن بأن واشنطن "تتطلّع إلى إيجاد الفرص التي تتيح المشاركة في انتاج وتطوير أنظمة دفاعية"، لأن أميركا تثمّن دور الهند في جهودنا المشتركة لضمان الاستقرار والازدهار في آسيا.

وفي هذا الإطار حثّ الوزير الشريك الآسيوي على لعب دور حاسم في العملية الانتقالية في افغانستان ومساعدتها هذه الأخيرة في تطوير نظامها الانتخابي ودعم انتخاباتها المقبلة لكون الهند شريك لنا في بناء الديمقراطية في آسيا، كما قال.

كلام الوزير يشي بطموح اميركي يقابله طموح هندي في تطوير الشراكة باتجاه صيغة تحالف تفرضه معطيات المرحلة الآسيوية كما الدولية. التنافس الأميركي مع الصين محكوم بالاستمرار ولو بقي تحت السيطرة. التفاهم مع باكستان، متقطع.

وقد يأخذ شحنة جديدة من التوتر جراء تعزيز العلاقة الأميركية مع الهند، التي ما زالت منزعجة هي الأخرى من المساعدات العسكرية الأميركية لجارتها اللدودة. لكن ذلك بقي تأثيره محدوداً على مسار الشراكة ما بين واشنطن ونيودلهي في المنطقة، والتي طالما شجّعت البنتاغون على تعزيز جانبها العسكري في وجه التمدّد الصيني في الإقليم.