كان لعرض كوريا الشمالية الأخير بفتح حوار مع واشنطن وقع التطور، إن لم يكن الحدث اللافت، ولو أن السوابق تثير الشكوك والارتياب أكثر من أي شيء آخر.
فقد فرضت هذه «الفتحة «حضورها على المشهد، بالرغم من زحمة الملفات والقضايا التي تستحوذ على اهتمام المراقبين في اللحظة الأميركية الراهنة، بدءا من الأزمة السورية إلى قمة ال 8 ثم ما انتهت إليه الانتخابات الإيرانية، فضلاً عن نوبات صداع الساحة الداخلية ،وعلى رأسها موضوع التجسس على المكالمات الهاتفية ورسائل الانترنت والتي ما زالت تتفاعل.
وخلافاً للمألوف، ثمة من يرى أن الاحتمال أقوى هذه المرة بأن تؤدي هذه المبادرة إلى معادلة أمنية جديدة تعفي من التوتر الدوري الذي هدّد أكثر من مرة بانفجار مفتوح.
ويعود الاهتمام وترجيح حصول حلحلة ،وإن مع التحفظ والحذر الشديدين، إلى أكثر من ناحية رافقت هذا التطور، أهمها اثنان : أن مطلب الحوار العالي المستوى مع واشنطن طالما سعت إليه بيونغ يانغ، لما ينطوي عليه من اعتراف أميركي بها كطرف وازن في المعادلة الأمنية الإقليمية وإقرار بمصالحه ودوره وأنه جدير بالتعامل معه على هذا الأساس.
الثاني، أن العرض الكوري جاء هذه المرة في أعقاب خلوة الرئيسين الأميركي والصيني قبل أيام في كاليفورنيا والتي تقاطعت تقييمات الخبراء والمحللين الأميركيين على تصنيفها في خانة القمة التي خرج منها الجانبان « بارتياح «.
لم تحسم كافة القضايا العالقة، لكنها حققت تفاهمات مبدئية وعملية «وبالتأكيد كان من بينها الملف الكوري الشمالي الذي يمكن القول في ضوء المواقف والتحركات الأخيرة أن الصين هذه المرة أبلغت حليفتها الكورية الإقلاع عن نهجها وممارساتها، على حدّ ما يقول لاري كورب الباحث والخبير في «المركز الأميركي للتقدّم « بواشنطن، في إجابته على سؤال صحيفة «البيان» حول هذا الموضوع.
وهو يشير إلى الإجراء الذي اتخذته القيادة الصينية الجديدة ضد البنك الكوري الشمالي في الآونة الأخيرة، كما إلى استدعاء مسؤول كوري رفيع المستوى حضر مؤخراً إلى بكين ، ولا بدّ أنه سمع منها كلاماً من هذا النوع ،أي حول ضرورة التراجع عن ممارسات التهديد والاختبار الصاروخي والنووي، لاسيما وأن استمرار الاندفاع الكوري الشمالي في طريق التطوير الصاروخي والنووي من شأنه أن يحمل اليابان وكوريا الجنوبية على السعي بل الإصرار لامتلاك السلاح النووي.
وهذا ما لا تريده بكين ، كما يرى كورب.
عروض ومبادرات كوريا الشمالية للتفاوض أو تقديم تنازلات، بشأن مشاريعها الصاروخية والنووية أو بخصوص علاقاتها مع الجوار، تراوحت تاريخياً بين المناورة والابتزاز.
في كل مرة كانت تبدي فيها ليونة معينة، كانت سرعان ما تتراجع عنها - كما حصل في «فركشة «الاجتماع الأخير مع كوريا الجنوبية ، أو تعود إلى التأزيم الفوري بعد إبداء موافقتها على المطلوب منها بخصوص النووي - كما حصل بعد مع المحادثات مع الدول الست عام 2008 وبعد الاتفاق على مقايضة تجميد المشروع النووي مقابل تزويد كوريا ب 240 الف طن من الأغذية عام 2012 .
المطروح الآن دونه حواجز وشروط. واشنطن أرفقت ترحيبها بضرورة تنفيذ بيونغيانغ لتعهداتها في المحادثات أعلاه.
كوريا طلبت « عدم لجوء واشنطن إلى فرض الشروط المسبقة «، لكنها لم تشترط ذلك لعقد الحوار. واستوقف المراقبين أن الدعوة صدرت عن المؤسسة الأعلى في هرم السلطة: «لجنة الدفاع الوطني» التي يرأسها كيم إيل أون.
مثل هذه الاستدارة، بعد التجارب النووية والصاروخية وما رافقها من تهديدات خلال شهر مارس الماضي، ما كانت لتحصل وبهذه السرعة لولا وجود طلب صيني ضاغط على بيونغ يانغ.
وهذا ما يجعل الانفتاح الكوري الجديد مرشحاً ليكون مدخلاً لترتيبات تنهي لعبة المشاكسة الكورية التي ما عادت مقبولة في بكين، خاصة وأن الصوت الداعي إلى صياغة تعاون أفضل مع الصين، بات الصوت الأعلى في واشنطن.
وربما كان التعجيل في التغيير الذي أجراه أوباما في منصب مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، مؤشراً في هذا الاتجاه.
استبدال توم دونيلون، مهندس التركيز على محيط الصين وتكثيف الحضور العسكري البحري فيه، بالسفيرة سوزان رايس التي لا ترى الأولويات بهذا المنظار، يصبّ في هذا المجرى ولو أنه ليس الدافع الأول.
ما لا شك فيه أن الرئيس اوباما يتطلع إلى هذه «الفتحة «لتحويلها إلى انجاز استراتيجي في منطقة بالغة الأهمية. فهو نفض يده من الشرق الأوسط ولم يبق له غير الشرق الأقصى.
