سئل مرة سيّد البيت الأبيض عن الملف الشرق أوسطي الذي يؤرقه أكثر من غيره. فأجاب، بعد برهة من التأمل: باكستان. إذا كانت أفغانستان مصدر وجع الرأس الراهن لأميركا، فجارتها الشرقية هي الصداع الأكبر المقبل. فهذا البلد يملك السلاح النووي، ومحكوم بديمقراطية هشة، وحاضنة لتوليد وسيطرة التطرف.

خليط يهدّد بنشوب فوضى قد تؤدي إلى سقوط القنبلة النووية بيد المتشددين، حسبما يقول الأميركيون. نفوذ طالبان الباكستانية وغيرها من التنظيمات المسلحة والنافذة في طول البلاد وعرضها، صاحبة مسلسل الاغتيالات والتفجيرات، والتي تستهدف أيضاً عناصر الأمن والجيش، يبرر القلق.

وما يجعله احتمالاً غير مستبعد مهما كانت ضآلته، هو غياب صمامات الأمان التي تضمنها المؤسسات الدستورية العاملة بانتظام، في إطار من التكامل والمساءلة. فالمرجعية الدستورية، ليست بالضرورة هي المرجعية المقرِرة، في باكستان.

السلطة الفعلية للجيش، بل لبعض أجنحته الممسكة بالقرار الأمني والعسكري والسياسي الإقليمي. وأيضاً الممسكة بالعلاقة القائمة على مضض مع واشنطن، والتي استمرت معلّقة، بحكم الضرورة المتبادلة، بين الشراكة والطلاق.

الآن ترى أوساط متابعة لمجرى العلاقات الأميركية ــ الباكستانية أن التطورات المستجدة والمتراكمة على الساحة الباكستانية، السياسية منها والأمنية، فضلاً عن اقتراب استحقاق الانسحاب الأميركي من أفغانستان، قد تؤدي مع بعضها إلى تحوّل في مقاربة إسلام أباد لملفات المنطقة، وبالذات الملف الأفغاني والعلاقات مع طالبان بفرعيها الباكستاني والأفغاني. وهناك مؤشرات في هذا الاتجاه.

وسيط سلام

نواز شريف جاء إلى رئاسة الحكومة بتفويض انتخابي قوي. سبق له أن سعى ليكون «وسيط سلام» تجاه الساحة الأفغانية. يعرف أن المفاوضات السرية بين واشنطن وطالبان، في قطر وخارجها فشلت بسبب مطالب المتشددين، منها اشتراط إخلاء سبيل ستة من جماعتها في سجن غوانتانامو.

ويعرف أيضاً ان الحركة تعيش حالة من الانقسام بين جناحيها. فشلها في تحقيق مكاسب ميدانية وازنة ساهم في حصول الانقسام، ولو أنها ما زالت قوة قادرة على المشاكسة والتخريب.

شريف، يقال إنه قادر على دفع الحركة باتجاه طاولة التفاوض البناء، من خلال «تهميش المتطرفين». فهو صاحب رصيد على ساحة القوى الإسلامية السياسية في باكستان، التي تشكل ملاذ طالبان الأفغانية، يمكنه توظيفه في هذا المجال.

الجيش من جهته، يقال إنه «جدّي هذه المرة» في مخاطبة طالبان الأفغانية بلغة الحث على التفاوض لبلوغ حلّ سياسي. فهو عانى من دموية طالبان بلاده. سقط له في المواجهات معها آلاف الجنود.

ولم يعد يقوى على مواصلة السياسة نفسها، وهو على أبواب مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من افغانستان، والتي تبدو مفتوحة على احتمالات مختلفة، قد تكون لها انعكاسات سلبية على استقرار باكستان، خاصة وانه يرى الخصم الهندي يعزز أوضاعه الاقتصادية والعسكرية، وبما قد يعطيه اليد الطولى في اية مواجهة في كشمير، الجاهزة دوما للانفجار.

هذه الحسابات جعلت، حسب قراءات اميركية، العسكر الباكستاني أكثر استعداداً، كما لم يكن من قبل، للعمل على تجفيف العنف الطالباني الأفغاني. عنف طالبان بلاده يكفيه، لاسيما وأن ترويض الأول يساهم في لجم الثاني.

توجه يجد في رئيس الحكومة الجديد نواز شريف الرجل المطلوب للدور المرغوب، بالرغم من النفور الذي شاب علاقته تاريخياً بالمؤسسة العسكرية. ويزيد من قبوله أنه «لا يتطلع إلى استرجاع السلطة من العسكر، بل إلى مشاركته بها، وبما يترك له صلاحية التفاوض كرئيس حكومة» مع الحركة.

تسوية سياسية

إدارة اوباما التي تعطي الأولوية لتحقيق انسحاب يحصل على أرضية تسوية سياسية للأزمة الأفغانية، ترى في هذه الأجواء الباكستانية حالة واعدة، تتقاطع عندها مصالح الأطراف المعنية بالساحتين الأفغانية والباكستانية، وعلى المديين القريب والأبعد. ثمة ما يشبه المراهنة على دور نواز شريف، الذي ربما تكون قد أنضجته الظروف. كل الأطراف بحاجة إلى مخرج.

والكل مستعجل بحكم اقتراب الاستحقاقات: ففي الربيع القادم تستحق انتخابات الرئاسة الأفغانية، يتلوها خلال الأشهر الستة، استكمال مغادرة قوات التحالف، باستثناء ثمانية إلى عشرة آلاف بين قوات خاصة واخرى لأغراض المساندة والتدريب. وربما يكون دور إسلام أباد في هذه العملية الانتقالية، لو سارت حسب هذا السيناريو، مدخلاً لتصحيح الخلل المزمن، بل العضوي، في الجسم السياسي ــ المؤسساتي للدولة الباكستانية.

رئيس الحكومة نواز شريف، بدأ يمهّد لمثل هذا الدور. مطالبته واشنطن بوقف عمليات طائرة «درون» فوق باكستان، تصب في هذا المجرى. هي موجهة لتعزيز وضعه في الداخل

. ولوحظ أن الردود الأميركية عليه، اتسمت بالتفهم. وقيل عنه إنه يميل إلى التعامل البراغماتي مع واشنطن، التي تتحدث بعض اوساطها عن بوادر تحوّل محتمل في صياغة إسلام أباد لقرارها، ولدورها الأفغاني بخاصة.