تحظى قمة الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الصيني شي جينبينغ باهتمام مكثف من المراقبين الدوليين. وهي قمة أكثر من عادية، بدون أن تكون رسمية.

تعمّد البيت الأبيض عقدها في منتجع جبلي قريب من مدينة لوس انجليس بولاية كاليفورنيا، على شكل استضافة متحررة جلساتها من ضغط الوقت والبروتوكول ومن أجواء واشنطن البعيدة. تمّ ترتيبها على عجل وبمبادرة من أوباما، حملها معه مستشاره لشؤون الأمن القومي توم دونيلون، عندما زار بكين قبل أسابيع قليلة.

المتداول أن ارتفاع منسوب التوتر الذي يشوب علاقات العملاقين فرض العجلة لتنظيم اللقاء. كما سرّع في عقده الاعتقاد بأن اللحظة الراهنة تختزن فرصة واعدة، لتخفيف حدّة الهواجس المتبادلة التي تراكمت طوال السنوات الماضية، وبالتحديد بعد حوادث ساحة تيانمين في بكين، التي مرّت ذكراها الرابعة والعشرون قبل أيام.

هذا صحيح، من حيث ظواهر الأمور. فواشنطن رفعت أخيراً من وتيرة شكواها المزمنة من القرصنة الصينية، كما تقول، لسرقة أسرار شركاتها التجارية وبرامج صناعتها العسكرية، من خلال الاختراقات الالكترونية لشبكة الانترنت ومواقعها المستهدفة. تزعم واشنطن أن بكين وضعت يدها على خطط تقدر قيمتها بمئات مليارات الدولارات، وأن هذه العمليات تمادت، وباتت تمس عصب الأمن القومي الأميركي.

 وليس سراً أنها هي أيضاً تمارس مثل هذا التسلل الإلكتروني. لكن يبدو أن الصينيين أفلحوا أكثر في هذا الكار. ثم هناك قضايا وملفات أخرى، تجارية ومالية تتعلق بسعر العملة الصينية المنخفض والنزاعات التي فتحتها الصين مع بلدان مجاورة وحليفة لواشنطن، حول السيادة على جزر وإن كانت خالية من السكان.

عسكرة أميركية

من جهتها، طالما أعربت بكين عن ضيقها من العسكرة الأميركية للمياه الدولية المجاورة، خاصة في بحر الصين الجنوبي، الذي تعتبره أحد مجالاتها الحيوية.

وقد رأت في قرار إدارة أوباما خلال ولايته الأولى، بتكثيف الحضور البحري هناك، مثابة محاولة احتواء استفزازية لها لتطويق تمدّدها المشروع في مدى هو، بعرفها، امتياز طبيعي لدولة بحجمها وبقدراتها في الإقليم. لكنه بعرف واشنطن امتياز غير مقبول، لأنه يمثل بداية لتآكل هيمنتها هناك.

وهنا يكمن لبّ الأزمة في علاقتهما. عملاق ينعم بهيمنة مزمنة تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعملاق صاعد لمنافسته على هذا الامتياز، بسلاح الفورة الاقتصادية. الأول لا يطيق المنافسة على هذا الدور والموقع الإقليمي.

والثاني زاحف بقدر من الزخم، لا تقوى أميركا على اعتراض سبيله، وتفوقها العسكري لا قيمة له في هذه المنازلة غير العسكرية. الصين ليست في وارد المجابهة، على ما تنطق به توجهاتها المبنية على سلاح الاقتصاد، وهنا مصدر القلق الفعلي لواشنطن.

"ما تمارسه الصين من قرصنة إلكترونية ومن بسط لنفوذها في بحر الصين ومحاولة فرض سيادتها على عدد من الجزر المجاورة، كله بسيط مقارنة بالهجمة التي تقوم بها رأسمالية الدولة الصينية على مدى الساحة الدولية"، كما يقول المؤلفان هاريبرتو أرواهو وهوان كاردينال في كتابهما "الجيش الصيني الصامت".

شراء الشركات

ويتمثل ذلك في التركيز الصيني على شراء الشركات الكبرى ذات القدرات التكنولوجية المتقدمة مثل بوتزميستر الألمانية وفولفو السويدية، كما على البنى التحتية الأساسية، مثل مدّ أنابيب الغاز والنفط في أواسط آسيا وإفريقيا وكذلك بناء السدود، حيث تبني حالياً أكثر من 200 سدّ في مختلف أنحاء العالم.

قطار اقتصادي عابر للحدود الدولية وبسرعة قياسية، في وقت ما زالت فيه اقتصادات الغرب، الأميركي والأوروبي، تترنح تحت وطأة تداعيات أزمة عام 2008 المالية. معادلة تشكل نوعاً من التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة.

الخيار الوحيد المتاح أمامها، يتمثل في التحاور مع بكين من موقع الاعتراف ولو الملتوي بمصالحها العليا، لاسيما وأن الرئيس الصيني الجديد أعطى إشارات على استعداده للحوار من أجل "البحث عن نمط من العلاقة اللائقة بين عملاقين"، كما قال.

إشارة واضحة إلى عدم الرضا عن واقع الحال القائم بين الجانبين، كما إلى إصرار الصين على التكافؤ مع أميركا في نسج مثل هذه العلاقة المرغوبة. كما أبدى تجاوبه مع المطالبة بلجم كوريا الشمالية وانفلاتها النووي الأخير، حيث اتخذ إجراءات مالية ضاغطة ولأول مرة على بيونغيانغ.

تحت هذا السقف، انعقدت خلوة كاليفورنيا لتنفيس ما أمكن من الاحتقان المتراكم، بحيث لا تتحول معه المزاحمة إلى نزاع، بالأحرى لإدارة هذه المزاحمة وإبقائها تحت السيطرة لا أكثر.

من خلال هذه القمة تؤكد إدارة أوباما مرة أخرى، على أن الشرق الأقصى والصين في القلب منه، يحتل الأولوية في سياستها الخارجية. الشرق الأوسط مسألة أخرى.