استحوذ خطاب الرئيس أوباما الأخير، حول ملف الإرهاب، على كثير من الاهتمام، باعتباره علامة فارقة، بل نقطة تحول في رئاسته؛ كما في استراتيجية واشنطن المعتمدة في هذا المجال منذ 11/9 .

فبعد 12 سنة وما تخللها من حروب وتصعيد ومطاردات ميدانية وجوية سرية وعمليات خاصة، يعلن سيد البيت الأبيض أنه آن الأوان لتضييق نطاق سياسة الحرب المفتوحة التي أطلقها سلفه على الإرهاب، والتي تبنى هو نفسه جانباً منها في أفغانستان؛ وتركيز العمل، بدلاً من ذلك، على "تفكيك" الشبكات الإرهابية.

فمثل "هذه الحرب يجب أن تنتهي كغيرها من الحروب"، كما قال. توجه رحّبت به القوى المناوئة للحرب في أميركا، ولو أنها أخذت على الرئيس تأخيره في اعتماد هذا النهج، في حين هاجمته القوى المحافظة بزعم أنه تسرّع "ساذج" وتراجع خطير، بل هو بمثابة "إعلان استسلام"، خاصة لناحية توقيته غير المناسب، في ضوء ما حصل في بوسطن وفي لندن أخيراً وما يشهده الشرق الأوسط وبعض مناطق شمال إفريقيا.

ترمي هذه الانعطافة غير المعروفة تفاصيل ترجمتها، والتي جاءت نتيجة لمراجعة أجرتها الإدارة؛ إلى "تقليص عمليات المطاردة العسكرية للجماعات الإرهابية"، بحيث يصار إلى الحدّ من استخدام طائرة "درون"، ما عدا في باكستان، على الأقل لحين انسحاب قوات التحالف بنهاية العام المقبل من أفغانستان.

وكان هذا الاستخدام الذي بلغ ذروته مع إدارة أوباما، قد أثار كثيراً من المخاوف والتحذيرات، بعد التسبب بوقوع ضحايا في صفوف المدنيين في المناطق المستهدفة، كما بمقتل عناصر تحمل الجنسية الأميركية، مثل أنور العولقي وابنه، الأمر الذي أثار الاعتراض من باب اعتباره مخالفة لحقوق المواطن التي يكفلها الدستور.

وفي هذه المراجعة جدّد الرئيس التزامه بإقفال سجن غوانتانامو في القاعدة الأميركية في كوبا.

موضوع مثير للخلاف من البداية، لكن في الآونة الأخيرة صارت كفة الخلاص منه راجحة. والجهات المعنية عاكفة على تحديد البدائل. كما تعهّد أوباما بالسعي للحدّ من صلاحيات الرئيس العسكرية، بحيث يضيق أمامه مجال أخذ قرارات الحرب، فلا يتكرر ما حصل في حروب بوش "الدائمة".

وتقول مصادر الإدارة: إن لهذا التحول حيثياته. فتنظيم القاعدة بات في وضع "مخلخل" بعد الضربات التي تلقاها.

ثم أن التذمر تزايد في أنحاء شتى من العالم، وخاصة في صفوف دول حليفة مثل باكستان، جراء ضربات الطائرة الصامتة.

وفي هذا السياق، يجري التراجع عن عسكرة وكالة الاستخبارات المركزية ،سي أي ايه، التي عهد إليها ببرنامج "درون" في باكستان واليمن والصومال بشكل خاص، وإعادة هذه المهمة إلى البنتاغون.

فالوكالة يؤخذ عليها أنها انصرفت عن مهمتها الأصلية في التجسس وجمع المعلومات وتحليلها، الأمر الذي فوّت عليها استباق أحداث وتطورات كبيرة، وبالذات في الشرق الأوسط، بل هي غفلت عن استباق أحداث أمنية محدودة، كان آخرها مقتل السفير الأميركي ومعه ثلاثة دبلوماسيين في بنغازي.

كان دور الوكالة اختراق الغرف المحصّنة والتجسس على الأسرار وتقديم التحليل الاستراتيجي للمعلومات، فتحولت إلى غرفة عمليات تكتيكية. والآن يجري ردّها إلى دورها الرئيسي، وسط شكوك بإمكانية نجاح مثل هذه العودة قريباً.

مع وجاهة هذه الحيثيات، إلاّ أن لهذا التوجه جوانب أخرى بقيت في الظلّ. فهناك تسليم ضمني بأن مثل هذه المواجهة مديدة. فالإرهاب حالة قد تمتد من "عشر إلى عشرين سنة"، حسبما قال أحد المسؤولين، بل ان الرئيس أوباما نفسه اعترف بأنه لا هو ولا أي رئيس آخر "يمكنه ضمان هزيمة الإرهاب".

من هذا التسليم وجدت إدارة اوباما المدخل من جهة لتصفية إرث بوش الحربي قدر الإمكان، ومن جهة ثانية لربط ذلك باسم الرئيس لاسيما وأنه وعد بمثل هذا الانقلاب وتحدث مراراً عن "تراجع موجة الحروب" كلما أراد التذكير بالانسحاب من العراق وبمثله قريباً من أفغانستان. واليوم يطرح برنامجه للانتقال بالمواجهة مع الإرهاب من الحرب إلى "التفكيك".

المؤكد أن هذا الطرح مرشح لإثارة المزيد من الجدل والصراع السياسي في الساحة الأميركية، بقدر ما أثار من الاهتمام.

فالسياسة الخارجية الأميركية تبدو لكثير من المحللين والخبراء في هذا الحقل وكأنها عرجاء، وفي أكثر من ملف اتسمت بالارتباك والتذبذب والتراجع.

وربما هي لم تتخلص بعد من هذه الأعطاب، إلاّ إذا كانت متعمدة خاصة في منطقتنا، لحجب حساباتها الاستراتيجية بعيدة المدى.