يعتبر النفوذ الروسي في المنطقة من المعطيات القائمة والمتعاظمة، ويترجم نفسه من خلال التحكم بأزماتها الخطيرة. خاصة الإيرانية والسورية. والأخيرة خصوصاً.
موسكو تمسك بمفتاح القرار الدولي والسياسي والعسكري، الخاص بهذه الساحة. وقد تضافرت وقائع وظروف وحسابات كثيرة ومتنوعة، محلية ودولية؛ لتعطيها هذا الامتياز. وهي تعمل بإصرار على قطف ثمار هذا الامتياز بما يعزّز مكاسبها الاستراتيجية، مستفيدة من التراجع الأميركي. وفي الشرق الأوسط بشكل خاص.
فهي تطمح لتحقيق عودة معترف بها إلى موقع الندّية الدولية. آخر خطواتها في هذا الاتجاه كانت في تحويل قوة كبيرة من أسطولها العسكري في المحيط الهادئ والبحر الأسود شطر المتوسط، وبالتحديد نحو مياهه الشرقية المحاذية للشواطئ السورية. قررت نشر أكثر من عشرين مدمرة وبارجة مع طواقمها وتوابعها، في هذه المساحة البحرية التي كانت محسوبة في خانة السيطرة البحرية الأميركية.
حشد روسي يقول الخبراء إنه الأكبر بحجمه منذ نهاية الحرب الباردة، وفي هذه البقعة التي باتت على ما يبدو امتداداً لأزمة المنطقة.
وفي تقدير المراقبين، أن موسكو أرادت بهذا الحشد الإيحاء لأمور عدة: عرض لعضلاتها التي وضعتها الأزمة السورية في وسط دائرة الضوء. كما أرادت تأكيداً لحضورها البحري المتجدّد في المتوسط؛ فضلاً عن تحسين موقعها وموقع النظام السوري عشية المؤتمر الدولي الذي جعلت منه واشنطن الخيار الوحيد.
مراهنة حفزت موسكو على الانتقال إلى الهجوم على أكثر من جبهة، دبلوماسية وعسكرية بالوكالة وتسليحية، بدت مفرداتها واضحة على صعيد الأزمة السورية، خاصة لناحية التسليح المتنوع والمتقدم وبالذات الصاروخي منه، سواء شبكات صواريخ ياخونت أرض بحر التي تمّ تسليمها أخيراً، وربما لاحقاً شبكات صواريخ أرض ــ جو متقدمة.
فائض القوة
وجود أساطيل الدول الكبرى في المياه الدولية حالة مألوفة. كانت وما زالت أحد تعبيرات فائض القوة. وتمتلك البحرية الأميركية 272 سفينة حربية منها 11 حاملة طائرات، وهي موزعة على أساطيل تمخر مياه المحيطات والبحار في العالم، على مدار السنة.
وكذلك، وإن بحجم أصغر، القوة البحرية الروسية التي تراجعت بعد الانهيار السوفييتي؛ ليعيد الرئيس بوتين تسريع تحديثها وتوسيع مدى انتشارها.
لكن نادراً ما كانت حصة المتوسط من الأسطول الروسي بهذا القدر من القوة. ثم إن الحضور هذه المرة ارتبط بموقف من صراع استراتيجي في المنطقة وبقرار في الدفاع عن هذا الموقف. بل في الإصرار على ترجيح كفته على الأرض كما في أية تسوية قد يتم التوصل إليها.
ولا شك أن موسكو وظفت أوراقها إلى آخر الحدود. على الأقل حتى الآن. راهنت على مواصلة الانكفاء الأميركي الذي حكمته حسابات واعتبارات موضوعية و«أوبامية».
وهو أمر لا جدال فيه، انعكس بوضوح بل وبصورة محرجة؛ في تحديات عدة، بدءاً من كوريا الشمالية إلى إيران النووي وباكستان وأفغانستان، مروراً بعملية السلام وأخيراً في الأزمة السورية وخطها الأحمر الشهير. التروي يعفي من التورط. لكن رمي التهديدات، التي ظهر أنه ليست هناك نية أو استعداد لترجمتها، يقلل المصداقية.
كذلك يبدو أن موسكو راهنت على تذبذب المواقف الأميركية وتضارباتها. وبنوع خاص حيال الأزمة السورية. مرة مطالبة برحيل الأسد «الذي فقد شرعيته». وفي الوقت ذاته التمسك بالحوار بين الجانبين لصياغة مرحلة انتقالية يبقى فيها دور النظام مبهماً. ارتباك أثار الكثير من الجدل في واشنطن ورأت فيه موسكو فرصة لفرض الإملاءات ومراكمة المكاسب الإقليمية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق جاء تزويدها لسوريا بصواريخ «ياخونت» المسماة بقاتلة السفن الحربية من على مسافة 180 ميلاً وبتوجيه دقيق لإصابة هدفها. كما جرى التلميح بتسليم سوريا صواريخ أس-300 المضادة للطيران، والتي يقول الأميركيون إن من شأنها أن تجعل أية عملية لضرب الدفاعات الجوية السورية، أكثر تعقيداً.
تطورات متسارعة
أهمية هذه التطورات الروسية المتسارعة، ليس فقط في أنها تضمن الحماية للنظام السوري في ضوء معادلته الراهنة. بل هي أبعد من ذلك، كما يخشى خبراء أميركيون. فالحضور البحري المكثف مع شبكة الصواريخ لسوريا، من شأنه أن يعطي المبادرة إلى موسكو للتحكم بأخطر أزمات الشرق الأوسط.
إن لم يكن في فرض حلولها، فعلى الأقل لناحية عرقلة مخارجها وعدم الإفراج عنها إلاّ من خلال مشاركتها بالمكاسب، في لحظة تعثر أميركي.
وهنا يكمن «تخوف» واشنطن، على حدّ ما جاء في عنوان أحد التحليلات. ومأزق إدارة أوباما وحتى إشعار آخر، أنها ليست في وارد تغيير نهجها ولا هي قادرة على لجم شهية بوتين في تعزيز أوراق روسيا الدولية. وبالذات الشرق أوسطية.
