في السجال الدائر في واشنطن بين إدارة أوباما العازفة عن لعب أي دور مباشر في سوريا، وبين منتقديها وخصومها الداعين إلى ترجمة تحذير الرئيس بالردّ على السلاح «الكيميائي»، برز من جديد سيناريو المنطقة العازلة أو منطقة الحظر الجوي.
ويأتي ذلك كخيار ممكن إذا كان لابدّ من عمل شيء ما، طالما أن هناك شبه إجماع أميركي على عدم تكرار تجربة العراق؛ التي لا يجرؤ أحد في واشنطن على طرحها. خاصة في الظروف، الداخلية والخارجية الراهنة.
وفي هذا السياق دخل النقاش في التفاصيل والمقارنة بين القدرات الجوية المتاحة، الأميركية منها والموجودة بحوزة حلف «ناتو»؛ وبين المخاطر التي ينطوي عليها اللجوء لمثل هذا الردّ، في ضوء ما باتت تملكه سوريا من دفاعات جوية متطورة، زودتها بها روسيا في السنوات الأخيرة.
تحذير أميركي
رئيس هيئة الأركان الجنرال مارتن دامسي، يؤكد أنه بقدرة «الصواريخ الموجهة المحمولة على البوارج البحرية الأميركية في المتوسط، بالإضافة إلى المقاتلات العصية على الرادار، تدمير العديد من المضادات السورية بسرعة نسبية».
لكنه يسارع إلى التحذير من المنصات المضادة المتحركة التي «يصعب العثور عليها لتدميرها، وما قد يتسبب به وجودها في مناطق سكنية من وقوع ضحايا مدنيين». بالإضافة إلى ذلك، «يشرف الخبراء الروس على الكثير من هذه الدفاعات، إلى جانب مجموعات كبيرة من التقنيين المكلفين بأعمال الصيانة وتركيب القطع البديلة»، حسب معلومات نقلتها تقارير عن جهات استخباراتية أميركية، في الأيام الأخيرة.
وتفيد هذه المعلومات أن موسكو بدأت عام 2008 بشحن سام 22 بانتسير إس ـ 1 إلى سوريا، التي تملك الآن 36 عربة متحركة من هذه المنظومة؛ المؤلفة من صواريخ أرض ــ جوّ ومدفع مضاد، وتعمل بمدى 12 ميلاً. ثم عملت خلال 2009 على تطوير سام ــ 3 القديم وتحويله إلى سام ــ 26 إم ــ2 المجهز بصواريخ تطال هدفها على مسافة 17 ميلاً.
وتواصل تعزيز الشبكة في السنوات اللاحقة. ففي نوفمبر من العام الماضي، وصلت شحنة من سام ــ 17 المضاد للطائرات؛ حسبما كشفت هذه الجهات الأميركية، التي تقول إن «أكثر ما يدعو إلى القلق هو حصول سوريا على نظام سام ــ 5 الحديث، الذي يصل مداه إلى 175 ميلاً».
وبالإضافة إلى هذه المجموعة، لدى سوريا مضادات قصيرة المدى، مثل سام ــ 2، ومداه 28 ميلاً، وسام ــ 6، بحدود 15 ميلاً، وسام ــ 8، الذي يصل إلى 9 أميال.
وبذلك يقول الخبراء إن سوريا تملك قدرة دفاع جوي لا يستهان بها. بل ثمة من يقول إنها قدرة من «الدرجة الأولى». وينسب إلى رئيس الأركان دامبسي قوله في جلسة لمجلس الأمن القومي، إنها «تشكل العائق الأكبر أمام أي تدخل جوي أميركي».
مبالغة وتضخيم
لكن كلامه وضعه دعاة المنطقة الآمنة ومؤيدو التسليح لفريق من المعارضة، خاصة في الكونغرس، على أنه لا يخلو من المبالغة والتضخيم، لتبرير عزوف الإدارة، خاصة الرئيس والبنتاغون ووزير الدفاع تشاك هيغل، عن أي تصعيد. لا حظر جوي ولا تسليح.
ويقول هؤلاء إن تقديم شبكة الدفاع الجوي السوري بهذا الصورة وعلى هذه الدرجة من القدرة، من شأنه أن يحمل أنصار الردّ الجوي على «الكيميائي» السوري، على «العدّ للعشرة»، قبل مواصلة الإلحاح على البيت الأبيض كي يسلك هذا السبيل.
فعندما يصدر مثل هذا التحذير عن قمة الهرم العسكري الأميركي، الذي يرى بأنها عملية محفوفة بمخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، عندئذ لا بدّ من التوقف والتأمل بالعواقب لو جرى إسقاط مقاتلات أميركية، بالمضادات السورية الروسية الصنع. آنذاك تكون واشنطن قد وضعت نفسها في خط مواجهة مفتوحة ومجهولة العواقب.
لا يقلل الخبراء من أهمية الشبكات الصاروخية الروسية المضادة للطائرات، المتوفر بعضها لدى القوات السورية. لكن دمشق لا تملك أحدثها وأكثرها قدرة مثل إس ــ 300. فهذه زبدة الترسانة الروسية المضادة.
ثم إن رئيس الأركان الأميركي نفسه يقول إن بإمكان بعض المقاتلات الأميركية مثل إف 22، والقاذفة الاستراتيجية بي 2، خرق الأجواء من غير أن يكشفها الرادار. إذاً المانع ليس عسكرياً. ولكنه في حسابات البيت الأبيض، استراتيجي وإقليمي ودولي.
من حساباته أن أوباما لا يريد الدخول في مواجهة غير مباشرة مع بوتين. هو يتطلع إلى ترطيب الأجواء معه وليس العكس. مع ذلك، لا يستبعد محللون، أن تجرف الأزمة السورية المندفعة نحو هاوية مرعبة، موسكو وواشنطن إلى منازلة ما، لا يرغبان فيها .
