حادثة التفجير المروعة التي وقعت أخيرا في مدينة بوسطن أعادت فتح ملف الإرهاب من جديد في واشنطن. إلقاء القبض على أحد الشقيقين المسؤولين عن زرع العبوات وما قد تكشفه التحقيقات معه من معلومات وتفاصيل بعد أن عاد إلى وعيه، حسم السؤال حول الجهة الفاعلة.
وربما حول بقية جوانب العملية. وقد أشاع ذلك حالة من الارتياح، لكون المجهول صار في باب المعلوم، وتم التأكد أن العملية فردية. لكن في الوقت ذاته أثار هذا الاختراق، مرة أخرى، السجال بين مدرستين أميركيتين، حول تحديد العمل الإرهابي وبالتالي كيفية التعامل معه. مدرسة المحافظين الشمولية، التي تعتمد التعريف الواسع للمشكلة واستطراداً عدم التردد في معالجتها بالحروب التقليدية.
فيما تعتمد المدرسة الليبرالية التي يمثلها أوباما، التصنيف الضيق لهذا التحدّي من حيث حصره بمجموعات معينة وبالتالي معالجته بأسلوب المطاردة للعناصر المسؤولة عنه. الفجوة بين الاثنين واسعة، لناحية العواقب التي تترتب على كلتا المقاربتين.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، رست إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن على خيار إعلان " الحرب على الإرهاب ". عنوان يحتمل التأويل المفتوح. يمكن وضع أي فئة أو عمل تحته. خاصة وأن بوش خاطب العالم آنذاك وفق مبدأ قسمته إلى فريقين: " إما معنا وإما مع الإرهاب ". وعلى هذا الأساس خاض حربين.
استند في ذلك على تسويغ أنه لابدّ من نقل المواجهة مع الإرهاب إلى مواقعه وساحاته المعروفة أو المحتملة للقضاء عليه. أو في أسوأ الحالات، خوض المعركة على أرضه لإشغاله ومنعه من القيام بعملياته في الخارج. والباقي معروف.
جاء الرئيس أوباما وقلب المعادلة رأسا على عقب. كوارث سلفه السياسية ساعدته على تصحيح التوجه واعتماد مقاربته القائمة على حصر الحرب بـ " القاعدة " ومجموعات التطرف التي تمارس العنف. كان تعليله أن التعميم جرّ إلى حروب، منها غير لازم وتسبب بخسائر سياسية وبشرية واقتصادية كان يمكن اجتنابها.
بديله، سياسة الخطين المتوازيين: الحوار والتعاون مع الآخرين لعزل قوى العنف والتطرف. ومن جهة أخرى مطاردة هذه القوى، عبر العمليات الخاصة أو بطائرات " درون" . وبمقتل ابن لادن، أخذت سياسته هذه شحنة من الزخم. لاسيما وأن الساحة الأميركية بقيت لسنوات، بمنأى عن الأعمال الإرهابية.
فجأة وقع تفجير بوسطن. لا سياسة الحروب منعته. ولا سياسة المطاردة الحصرية حالت دونه. أحرج أوباما. تمهّل إلى اليوم الثاني، قبل أن يضع العملية في خانة الإرهاب. إطلاق هذا النعت عليها، ينسف مقاربته. على الأقل يعطي خصومه ذخيرة لنقدها.
وهذا ما فعله المحافظون، الذين سارعوا إلى توجيه اللوم إلى ما قالوا إنه قصور أمني ناجم عن مقاربة الإدارة لموضوع الإرهاب. خاصة وأن الجهات الأمنية الروسية كانت قد حذرت واشنطن من توجهات الشقيق الأكبر الذي قضى في المطاردة.
ثم سارعت أيضاً إلى المطالبة بالتعامل مع الشقيق الأصغر الخاضع لمعالجة طبية، " كمحارب عدو " تمهيداً لمحاكمته أمام محكمة عسكرية وترجيح إعدامه، برغم أنه يحمل الجنسية الأميركية. وهي التسمية نفسها التي أطلقتها إدارة بوش على عناصر " القاعدة " والمحاكمة نفسها.
تجدد الجدل
وبذلك عاد الجدل إلى بداياته حول المشكلة وطرق التعامل معها. الخلاف على الوصف نفسه ناجم عن التباين في التعامل معه. " تصنيف العمل في لائحة الإرهاب، يضعه في مقام الاعتداء على السيادة الوطنية. وهذا يقتضي الرد عليه بعمل عسكري "، حسب أحد الخبراء.
في حالة بوسطن، يعني الرد على الجهة التي دفعت الأخوين الشيشانيين للقيام بالتفجير، إذا كان هناك من جهة. وهذا ما لا تريده إدارة أوباما.
لحملها على تغيير المقاربة وبالتالي المعالجة، بدأ المحافظون بإثارة الموضوع من زاوية تحريك الكونغرس لسنّ قانون أو تفويض جديد يقضي بضرورة الردّ العسكري على مثل هذه الأعمال، في حال توفرت الدلائل وتحدّدت المسؤولية عنه.
زخم إضافي
ومن المتوقع أن يأخذ مثل هذا الخطاب حقنة زخم إضافي من ما كشفت عنه الجهات الأمنية الكندية أخيرا، عن إحباط عملية إرهابية قبل وقوعها، بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالية أف بي أي الأميركي، وإلقاء القبض على شابين " لهما علاقة بالقاعدة " كانا يعتزمان " تفجير قطار ركاب في منطقة تورنتو الكندية ".
تطور من شأنه زيادة الضغوط لإعادة النظر بسياسة أوباما بحيث لا تقتصر الحرب على ملاحقة الإرهابيين كجماعة، بل لتكون على الإرهاب بكل ما يعنيه ذلك من توسع في التهمة والمواجهة. خاصة إذا ظهرت على الساحة محاولات أو عمليات إرهابية أخرى.
