مازال شبح نشوب مواجهة عسكرية في شبه الجزيرة الكورية، يطغى على غيره من الملفات الخارجية في واشنطن. الخشية من وقوع صدام عسكري تكون الولايات المتحدة في صميمه، حقيقية. ولو أن الاحتمال ما زال غير مرجّح.

لكنه قائم وغير مستبعد في الحسابات الأميركية. على الأقل بحكم استمرار بل تزايد غموض نوايا كوريا الشمالية، في ضوء تماديها بتصعيد خطابها وإجراءاتها، التي تبدو وكأنها تدخل في إطار الاستعداد القريب لصدام أو تسخين ما.

سلسلة الخطوات التي اتخذها الشمال في الأيام الأخيرة أربكت واشنطن وحليفتها سيئول لناحية كيفية التعامل مع هذا التحدّي. لاسيما وأن استعراض القوة الجوية الذي لجأ إليه البنتاغون في الأسبوع الماضي، حين أشرك قاذفاته الاستراتيجية في المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية وعلى مرأى من القوات الشمالية، لم يفلح في لجم اندفاع حكم كيم جونغ أون. بل هو قام بما يرفع منسوب التوتر.

حرّك، حسب المصادر الأميركية، صواريخ متوسطة المدى 2500 إلى 1800 كلم، إلى شواطئه الشرقية. ربما تمهيداً لإجراء تجارب بمناسبة اقتراب الاحتفال بمولد الزعيم الراحل المؤسس كيم إيل سونغ، في 15 إبريل الجاري.

 كما أوعز للسفارات الأجنبية في عاصمته بضرورة المغادرة في ظرف خمسة أيام، بزعم أنه غير قادر على ضمان أمن الدبلوماسيين الأجانب بعد الآن. وفي خطوة لقطع آخر شعرة مع الجنوب، أقفل المجمع الصناعي المشترك والقائم في الجانب الشمالي من الحدود.

خطوات ذات طبيعة تحضيرية، على ما تبدو، لمواجهة قادمة على الطريق. مع ذلك، فإن الاعتقاد الراجح في أوساط خبراء الشؤون الكورية والسياسة الخارجية بواشنطن، بأن النظام الشمالي قد يكون متهورا في تهديداته لكنه ليس بالضرورة انتحاريا. فسياسة التأزم جزء من تراثه.

شجّعه على الاستمرار بها، انها كانت مجزية غالباً لجهة التسهيلات التي حصل عليها من خلالها. كما شجّعه الاحتضان الصيني له وحمايته من الاختناق، لحسابات تتعلق بالمصلحة الاستراتيجية الصينية في الإقليم، خاصة وأن بكين تتعامل مع الشمال، من زاوية التوجس بأن استراتيجية واشنطن تستهدفها بالأساس. بيونغيانغ تدرك ذلك. ولهذا تمادت، لإدراكها أن بكين لن تتخلى عنها.

لكن المراقبون توقفوا عند خطاب الرئيس الصيني الأخير في مؤتمر "البوا" الاسيوي، قبل أيام، والذي قال فيه وبنبرة تحذيرية، بأنه " لا يجوز لبلد ما أن يتسبب بزعزعة الاستقرار في العالم لمكاسب خاصة ". الإشارة التي جاءت خالية من اسم الدولة المعنية، كانت برسم كوريا الشمالية، وفق التفسيرات الأميركية، وغالب الظن أنها كذلك.

فالهمس متواصل أخيرا حول انزعاج بكين من المبالغة الكورية الشمالية في تجاوز الخطوط الحمراء النووية والصاروخية. وثمة من لا يستبعد أن يكون بعض التصعيد الكوري قد جاء ردّاً على موقف بكين المؤيد لقرار العقوبات الأخير ضدها، وذلك من باب إحراجها وكشف محدودية تأثيرها على الشمال الكوري. محدودية محكومة بالحاجة الصينية لاستمرار النظام في الشمال، لئلا تتوحد كوريا وتصبح القوات الأميركية على حدودها أي الصين -.

غير ان مصالح الصين تتجاوز ذلك. ضيق بكين، كما يراه الأميركيون، لم يعد خافياً على أحد.

في ضوء هذه القراءة، تدعو بعض المرجعيات الأميركية المعنية بالسياسة الخارجية وخاصة الاسيوية، إلى مطالبة الصين بالمزيد من ممارسة الضغوط الفعالة على جارتها وحليفتها من باب المادتين الحيويتين اللتين تزودها بهما : الغذاء والمحروقات، باعتبارهما أنبوب الأوكسجين الذي تتنفس منه كوريا الشمالية. لكن احتمال وصول الصين إلى هذه النقطة ضعيف. حساباتها الاستراتيجية اكبر .

مدرسة أخرى ولو أنها تمثل الأقلية في الساحة الأميركية، تدعو إلى التأكيد على الخيار الدبلوماسي باعتبار أنه لا يوجد بديل افضل على ان يكون ذلك من خلال مبادرة اميركية جريئة والدعوة إلى حوار مباشر مع كوريا الشمالية.

وإما من خلال صيغة أخرى " تتمثل في وساطة دولية تقوم بها الأمم المتحدة أو البنك الدولي أو شخصيات مشهود لها بلعب مثل هذا الدور" على ما يرى بيل ريتشاردسون حاكم ولاية نيو مكسيكو والدبلوماسي المخضرم الذي سبق ولعب دور الوساطة اكثر من مرة مع بيونغيانغ.

 الاحتمال الثالث، الذي يبدو أن إدارة أوباما قد رست عليه وحتى إشعار آخر، يقوم حسب ما سرّبته مصادر رسمية، على اخذ الحيطة من باب وضع خطة للرد الفوري على أي تحرش أو استفزاز كوري شمالي، " بقدر محدود، ولو أشد من ذي قبل لكن يتناسب مع الخطوة الكورية، بهدف ردعها وبما يطمئن الحليف الكوري الجنوبي ".

السؤال: هل تصل الأمور إلى هذا الحدّ ؟ وإذا وصلت وحصل الرد المحدود، هل يكفل ذلك عدم انفلات المواجهة ؟ لا ضمانات لذلك.