شهدت الأسابيع القليلة الماضية عودة لافتة وقريبة من الاستنفار لمنظومة الصواريخ الاستراتيجية ،المحمولة على بوارج وغواصات أسطول البحرية الأميركية في المحيط الهادئ. وشمل ذلك إجراء تجارب بالذخيرة الحيّة واعتماد برنامج جديد لصيانتها وتعزيزها بآخر ما بلغته تكنولوجيا الرصد والتوجيه والتصدّي المزدوج، الردعي والهجومي، المصممّة للقيام به.

وترافق مع ذلك قرار البنتاغون الأخير بتحويل منصات الدرع الواقية ،التي كانت مخصّصة للمسرح الأوروبي الشرقي، إلى السواحل الأميركية المطلة على الباسفيك. وفي تعليلها لمثل هذا الحراك الصاروخي غير الاعتيادي، قالت وزارة الدفاع الأميركية إن التهديدات النووية الكورية الشمالية الأخيرة اقتضت مثل هذه التدابير، على الأقل من باب التحوّط والحذر، لأنه من الصعب التكهن بحقيقة النوايا الكورية ومفاجآتها.

احتياطات لازمة

لاشك في أن الخطاب الكوري الناري حفز الإسراع في أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة جميع الاحتمالات. لكنه كان في الوقت ذاته المدخل لتعزيز الوجود البحري الأميركي في حوض الباسفيك إجمالا، باعتباره يمثل قوة ضاربة دفاعية هجومية، كانت ولا تزال عازمة على أن تبقى الجهة المسيطرة على مياهه. وفي ذلك رسالة مباشرة لكوريا الشمالية وضمنية إلى الصين.

في الواقع، جاءت هذه الخطوات في امتداد توجّه بدأ في منتصف ولاية أوباما، يقضي بالالتفات شطر حوض الباسفيك وبالتحديد منطقة جنوب بحر الصين، لغرضين استراتيجيين هما احتواء الصعود العسكري الصيني ،خاصة البحري منه، في المنطقة. وثانياً التركيز على الإقليم الآسيوي باعتبار أنه بات في طريقه ليصبح مركز الثقل الاقتصادي العالمي.

على هذا الأساس تقرّرت مضاعفة الوجود البحري الأميركي في المحيط الهادي، إلى جانب تشكيل تحالف مع سبع دول في المنطقة، من بينها أستراليا، جرى إبرامه خلال جولة آسيوية قام بها أوباما، لتطويق التمدّد والتذكير بقوة الردع الأميركي.

ومن حيثيات هذا التوجه الذي تردّد في حينه أن الوزيرة كلينتون دفعت نحو اعتماده أن الحضور العسكري الأميركي الوازن في مياه الشرق الأوسط، لم يعد له ما يبرره. يكفي أن يكون بالحدّ الأدنى، لسببين،الأول أن المغامرات العسكرية الأميركية في المنطقة غير واردة على الأقل في عهد أوباما وعلى الأرجح لاحقاً، في ضوء تجربة حربي العراق وأفغانستان. فالرئيس التزم هناك نهج الحوار ويراهن عليه. ثانياً أن المصالح الاستراتيجية الأميركية في منطقتنا ليست في خطر، على الرغم من حالة الاضطراب والتغيير التي تعيشها. والتحدّي الأهم والأبعد مدى، وفق هذه القراءة، انتقاله إلى الشرق الأقصى.

على هذه الخلفية، رأت واشنطن في التنغيص الكوري الشمالي الأخير ما يبرر توجهها الاستراتيجي الآسيوي. خاصة وأن التهديد بالنووي دخل على الخط. وفي هذا السياق يأتي نفض الغبار عن ترسانة الصواريخ البالستية المتجولة في المياه الدولية. والمعروف أن هذا السلاح يقوم بمهمتين متلازمتين في آن. دفاعية، حيث تتصدى منظومته للصواريخ المستهدفة للأراضي والمواقع والقوات الأميركية، لتفجيرها في الجو قبل بلوغ أهدافها، وذلك بتوجيه من أنظمة الاستشعار الفضائية المرتبطة بغرفة القيادة. المهمة الثانية هجومية وتتولى قصف مصدر الصاروخ المعادي بصاروخ مضاد.

في الآونة الأخيرة ،جرت تجربة بالذخيرة الحيّة ،ولأول مرة، ضدّ صاروخ متوسط المدى مداه يتراوح بين 1000 و 1300 كلم فوق مياه الباسفيك القريبة من ولاية هاواي. وأعلنت البنتاغون نجاح مهمة التصدي، التي وصفت بأنها كانت "بقوة شاحنة وزنها عشرة أطنان اصطدمت بجدار .

وهي تسير بسرعة أكثر من 900 كلم في الساعة ". كما جرى التعاقد لتأمين الصيانة اللازمة لهذه المنظومة هناك 26 منها على ظهر البوارج الحربية الأميركية في المحيطين الهادئ والأطلسي بكلفة تجاوزت مئة مليون دولار. وثمة خطط لزيادة عدد القطع البحرية الحاملة لهذه الصواريخ العابرة المضادة والمهاجمة.

اللافت أن تكنولوجيا الصواريخ تنتشر بقدر من التوازي مع انتشار تكنولوجيا الذرّة. ولو أن الفوارق بين المتقدم منها والمبتدئ، ما زالت واسعة. لكن الخشية أن المتدرج فيها يحقق خطوات متقدمة في هذا الحقل. التجربة الصاروخية لكوريا الشمالية، قبل أشهر، كانت فاشلة. لكن الأخيرة تجاوزت أسباب الفشل وحققت قدراً من التطوير. والحديث عن المنظومات الحديثة كالتي تملكها أميركا وغيرها من الدول المقتدرة، لا بدّ وأن يحفز الآخرين على البحث عن مثل هذه التكنولوجيا للالتحاق بالركب. إن لم يكن اليوم فغداً. الخطر هنا أن السباق متواصل طالما بقي التفاوت في التسليح قائما.