التهديد الكوري الشمالي الأخير باستخدام السلاح النووي جاء ،في أحد جوانبه، بمثابة " ربّ ضارة نافعة " بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. أو هكذا بدا من تعاملها معه. فهي استثمرت أو وظّفت هذا التصعيد لتنفيس احتقان آخر، أهم في حساباتها على المدى الأبعد، من الأزمة مع بيونغيانغ.
فهذه على سخونتها واحتمالاتها المفتوحة لا ترقى إلى مستوى التوتر الذي تسببت به الدرع مع روسيا، التي ترى أنها تستهدف تطويقها أكثر من أي شيء آخر، نظراً لقربها من تخومها ودائرة مصالحها في الجوار الذي تعتبره جزءا من دائرة فلكها.
وعندما تشمل ردودها على هذا التطور إجراء يؤدي عملياً إلى إزاحة العقبة الأكبر في تأزم علاقاتها مع روسيا بوتين، عندئذ يكون التهور في الخطاب الكوري الشمالي قد ساعد، أو يفترض أن يساعد، على التمهيد لمرحلة انفراج مع موسكو.
إعلان البنتاغون، الأسبوع الماضي، عن إلغاء نشر شبكة الدرع الصاروخية خلال العقد المقبل في شرق أوروبا، كما كان مقرراً، ونصبها بدلاً من ذلك على الشواطئ الغربية للولايات المتحدة لحمايتها من خطر الصواريخ العابرة الكورية الشمالية، جاء ليشكل الحلقة الثانية والأخيرة من شطب إدارة أوباما لهذا المشروع، الذي كان، مع قرار الرئيس السابق جورج بوش توسيع حلف "ناتو"، قد تسبب في توتير العلاقات الروسية الأميركية وما شهدته من مناكفات ومكايدات. خاصة في الشرق الأوسط.
حماية الغرب الأميركي
حسب الخطة الأصلية، كان من المتوقع أنجاز المنظومة الردعية ووضعها حيّز التنفيذ في أوروبا، قبل أو بحلول العقد المقبل. 14 منصّة من أصل 24 ، ستكون جاهزة بحلول عام 2017 ، على ما قال وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل.
لكن تقرّر تحويلها إلى مواقع في ولايتي كاليفورنيا وألاسكا، لحماية الغرب الأميركي من أي هجوم كوري، وفق تعليل الوزير. المنصات العشر الباقية، سوف تلحق بها أيضاً في تلك المواقع ، بدلاً من أوروبا.
وبذلك تكتمل التصفية لمشروع، ترى إدارة اوباما أن من شأنه لو حصلت ترجمته على الأرض، أن يفاقم من انتشار أسلحة الدمار ومنظومات الصواريخ العابرة. أوباما من الأساس كان ضد الدرع الواقية قبل أن تتم مناقشتها من قبل مجلس الشيوخ الأميركي.
وكانت الإدارة الأميركية قد أخذت الخطوة الأولى في عام 2009، حين تخلت عن الشق المتمثل بنظام الرادار لهذا المشروع. كما تخلت عن تطوير مشروع لاعتراض الصواريخ المهاجمة بأشعة الليزر. وهو شبيه بما كانت إدارة ريغان قد طرحته أو بالأحرى تخيلته، في ثمانينات القرن الماضي. وبدلاً من ذلك، طرحت خيار نقل الدرع الواقية إلى قواعد متحركة على ظهر سفن متجولة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ثم اقترحت، لحماية أوروبا، منظومة صاروخية قصيرة المدى علّها لا تثير اعتراض الروس. لكنها قوبلت بالرفض حينذاك، استمهل البيت الأبيض موسكو لما بعد الانتخابات. " حينذاك تكون مساحة المرونة عنده أكبر "، على حدّ ما اسرّ أوباما في أذن نظيره ميدفيديف خلال قمة سيؤول العام الماضي، والتقطه ميكروفون اعتقد أوباما أنه كان مغلقاً.
فرصة سانحة
لكن عنتريات بيونغيانغ أعفته من الحاجة إلى المرونة. وقدّمت له الفرصة السانحة لسحب المشروع، من باب أن الأولوية الآن باتت لحماية البيت الأميركي. بعد التهديد النووي الكوري. وهذا سبب وجيه لا يجادل فيه الأميركيون، إذا ما أخذ في الاعتبار تاريخ المفاجئات الكورية الشمالية. خاصة ضدّ الشطر الجنوبي.
ولهذا فإن " تحويل الشبكة للدفاع عن أميركا في هذه اللحظة له ما يبرره ،وهو أمر لا بدّ وأن تبدي موسكو ارتياحها له " كما قال لاري كورب، الخبير والباحث في" مركز الدراسات الأميركية التقدمية " بواشنطن، في ردّه على سؤال " البيان ". لكنه ارتياح يزعج القوى المحافظة، التي لم ترَ في الخطوة سوى محاولة لاسترضاء بوتين.
صحيح أن أوباما التقط فرصة أو ذريعة، لتكبير التهديد الكوري كمدخل لطي صفحة مشروع الدرع. بيونغيانغ لا تقوى على الذهاب إلى الخيار النووي، رغم ضرورة الحذر من صرعاتها.
غير أنها ذريعة في محلها لأكثر من سبب. فالدرع من الأساس طرحتها إدارة بوش لتطويق ومحاولة تفريغ القوة النووية الروسية من فعاليتها، قبل أي شيء آخر. تسبب ذلك في إحياء نوع من الصراع القديم بين الاثنين، فوق أكثر من ساحة دولية ومنها منطقتنا، مع كل ما ينجم عن ذلك من تكاليف يدفعها الاخرون.
ثم إن الشبكة مشكوك في قدرتها، كما كشف تقرير عسكري قبل أسابيع، على حماية القارتين الأوروبية والأميركية معاً وفق ما هو مرسوم لها. ويزيد من الأهمية ان سعي أوباما للبدء في مفاوضات قريبة حول خفض نووي أميركي روسي جديد، بات أقرب إلى الواقع بعد التخلي عن مشروع الدرع.
