ليست هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها كوريا الشمالية إلى لعبة حافة الهاوية.
لغة اعتادت العزف على أوتارها، كلما سعت لتوتير الأجواء وتأزمها لكسب تنازل ما، أو للتذكير بحضورها كقوة في المنطقة، أو للردّ على عقوبة دولية تسبب بها خروجها عن المقبول. لكن هذه المرة تجاوزت وتيرة تصعيدها ونبرة تهديداتها المألوفة.
مع أن الدواعي التي تتذرع بها ليست غير مألوفة. فلا هي المرة الأولى التي تفرض عليها عقوبات دولية ولا المناورات الأميركية الكورية الجنوبية، الجارية حالياً، هي الأولى من نوعها. السوابق كثيرة من النوعين.
مع ذلك ادعت أن كليهما يعتبر بمثابة "إعلان حرب"، لتبرير تهديداتها التي بلغت حد التلويح بالخيار النووي "كضربة وقائية" ضدّ الأعداء، على حدّ ما جاء في بيان وزارة الخارجية الكورية.
كلام أثار القلق في واشنطن، من ناحيتين: لأن النوايا الكورية دوماً كانت غامضة وردودها مباغتة. وثانياً لأن هذه اللهجة أتت في سياق تصعيدي، افتتحته بيونغيانغ في الآونة الأخيرة، من خلال تجاربها المفاجئة، الصاروخية والنووية المخالفة للقرارات الدولية.
عزلة دولية
إذا كانت السوابق هي المقياس، فلا يرى المراقبون في هذه التهديدات أكثر من تهويل، جاء من باب التعبير عن تزايد الضيق من العزلة الدولية، التي ارتفع منسوبها بقرار مجلس الأمن الأخير. فهي ليست جديدة. في السنوات الأخيرة من حكم كيم جونغ إيل، وصلت هذه الممارسة أكثر من مرة، إلى حدّ التفجير العسكري المحدود مع القوات البحرية لكوريا الجنوبية.
وربما كانت نارية التصعيد هذه المرة في جانب منها رسالة إلى الصين، التي لم تخف انزعاجها من التجربة النووية الكورية الأخيرة، والذي ترجمته في تأييدها القوي لقرار العقوبات الأخير في مجلس الأمن.
لكن الجديد هذه المرة كان في دخول التلويح الصريح بالنووي على الخط. ورقة يفترض أن مجرد التلميح بها ممنوع، ويرفع من درجة التوتر والتخوف من وقوع خطأ في الحسابات، حتى ولو كان من المستبعد لجوء بيونغيانغ في الوقت الحالي إلى عمليات استفزازية على الأرض، " إلاّ إن مثل هذا الأمر صارت احتمالاته أكبر"، كما يقول الخبير الأميركي كينيث غوز المتخصص في الشؤون الكورية الشمالية.
لاسيما بعد إقدام كوريا الشمالية على إلغاء اتفاقية الهدنة من جانب واحد وبما يقطع التواصل مع بيونغيانغ. الأمر الذي يرمي الوضع في المجهول. وإن كان الإلغاء غير قانوني لأنه تمّ من دون موافقة الجانب الآخر من الاتفاقية.
الحاكم الفعلي
واستوقف في هذا التطور أن الإعلان عن إسقاط الاتفاقية جاء عن طريق جهة عسكرية، عبر الصحيفة الحكومية. كما أن التهديد الأعنف "بضربة نووية متنوعة الدقة" جاء على لسان أحد قيادات جهاز الاستخبارات الكورية.
وكأن قرار الرد بهذا الأسلوب العنيف اتخذته القوات المسلحة. كما أعاد ادعاء الشمال بأن العقوبات الأخيرة ليست سوى "إعلان حرب عليها" طرح السؤال من جديد حول من هو الحاكم الفعلي في الشمال: الوريث كيم جونغ أون، أم العسكر أم شراكة بين الاثنين؟
الهدنة الكورية بقيت منذ ولادتها، قبل ستين سنة، هشة. الاتفاقية لم تحل دون وقوع خروقات خطيرة ومتكررة طوال كل تلك المدة.
لكن على رمزيتها، كانت بمثابة مرجع يجري الاحتكام إليه في الأزمات ويربط الجانبين الشمالي والجنوبي بالتزامات تقلّل من وقوع الاحتكاكات بينهما. خاصة وأنها كانت تمثل بوابة التواصل لاستدراك وتطويق المشكلات قبل انفجارها أو خلالها.
الإطاحة بكل هذه الجوانب مجازفة خطيرة، ولو أن الغاية سياسية على الأرجح وليست عسكرية، حسب القراءات الأولى لمعظم المحللين الأميركيين الذين يرون أن بيونغيانغ تخاطب واشنطن من خلال هذا التصعيد، لتدخل في "حوار معها" يؤدي إلى صياغة معاهدة سلام جديدة تجني منها مكسبين: "خفض القوات الأميركية" حوالي 15 ألف جندي المرابطة في الجهة الجنوبية من الخط الفاصل بين الكوريتين.
وثانياً "التسليم بعضويتها في النادي النووي الدولي". إذا كانت هذه المطالب هي الغرض الكوري الشمالي من النقلة النوعية في التصعيد فإن واشنطن ليست في وارد "حتى مجرد النظر فيها"، وفق ما نسب إلى مسؤولين قوله.
وبذلك قد تكون شبه الجزيرة الكورية متجهة نحو أزمة مفتوحة، لا تطيح بالهدنة فقط بل ربما بالسلام في المنطقة.
