من جديد تتسلل معلومات من تقارير سرية حول تعثر بناء الشبكة الدفاعية المضادة للصواريخ البالستية، بالمواصفات والقدرات المطلوبة. فقد صدرت، أخيرا،ً دراسات منسوبة للبنتاغون، رشح منها ما يفيد أن الدرع المثيرة للجدل المقرر نصبها في بولندا ورومانيا، لحماية القارة الأوروبية؛ قد لا تقوى على تأمين الدفاع أيضاً عن أميركا كما هو مخطط لها.
ويعزى ذلك إلى وجود " مشكلات صعبة " في هذا الخصوص، كانت جهات علمية وبحثية قد سبق وحذّرت منها. بل هي أعربت عن شكوكها باحتمال التوصل إلى منظومة بالكفاءة المبتغاة. ولا يقلل من أهمية العوائق مسارعة جهات وخبرات عسكرية إلى القول إن مثل هذه الصعوبات يمكن معالجتها والتغلب عليها.
مشروع خيالي
الواقع أن علامات الاستفهام رافقت هذا المشروع منذ ولادة فكرته. في بدايته كان أقرب إلى الخيال، عندما طرحته إدارة ريغان في أوج الحرب الباردة خلال ثمانينات القرن الماضي، باسم "حرب النجوم ". كان التصور أنه يمكن نصب الشبكة في الفضاء، بحيث تصطاد الصواريخ المعادية من فوق. لم يتأخر الوقت ليتبين أن العلم غير قادر على ترجمة هذا الحلم، في الأمد المنظور.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سارعت واشنطن، خاصة في عهد بوش، إلى توسيع حلف "ناتو " والتخطيط لمثل هذه الدرع؛ لكن هذه المرة على أرض الواقع في أوروبا. اعتراض موسكو عليها ساهم في رفع حدّة التوتر مع واشنطن، وحمل إدارة أوباما على تأجيل البت بمكان نصب الدرع إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية.
عودة الاستحقاق
الآن عاد هذا الاستحقاق إلى الطاولة. العمل في المشروع لم يتوقف ولو ببطء فرضته التعقيدات المعيقة والتقشف المالي. ويأتي هذا الكشف في التوقيت غير المناسب. ففي اللحظة الراهنة يرتفع منسوب التأزم النووي، على المحورين الإيراني والكوري الشمالي.
بعد أيام قليلة تنعقد جولة محادثات بشأن النووي الإيراني. ويقول الأميركيون إنها جولة حاسمة، لا تحتمل التأجيل والمزيد من شراء الوقت. كما جاء التفجير النووي الكوري الأخير ليرفع من درجة حرارة الموضوع. فهو الثالث منذ 2006.
وهذه المرة بقوة مضاعفة للتفجيرات السابقة. فالحدث خضّ واشنطن. من ناحية فاجأها. ومن ناحية أخرى، ليس معروفاً ما إذا كانت التجربة حصلت بوقود البلوتونيوم، كما جرى في السابق، أو بوقود اليورانيوم عالي التخصيب؛ مع ترجيح الخبراء للثاني.
وفي التقدير أن بيونغيانغ تملك منشآت لتخصيب اليورانيوم بكميات " تكفي لصنع عدة قنابل في السنة ". ويفاقم الخطر أن التطوير الصاروخي الباليستي الكوري يسير بموازاة تطوير التصنيع النووي. ثنائي يضع كوريا على عتبة العضوية الكاملة في النادي النووي الدولي. وزاد من حدة هذا التحدّي أنه لم يعد بيد واشنطن حيلة لوقف التمادي الكوري في هذا الحقل.
العقوبات استنفدت. ليس من مستزيد فيها. ثم إن واشنطن كانت تعوّل على نفوذ بكين كرادع لكوريا واستفزازاتها. لكن كوريا الشمالية لم تتردّد هذه المرة في تحدّي جاراتها الكبرى، التي كانت وما زالت سندها الوحيد في العالم.
في ضوء هذا الانسداد، بدأت تطرح بدائل في واشنطن. منها استبدال محاصرة النووي الكوري بالعمل على نزعه. تجريد بيونغيانغ من هذه الورقة الخطيرة، كما يقول عدد من الخبراء، هو الخيار الوحيد المتبقي. ويعوّل هذا الطرح على انضمام الصين إلى مثل هذه الحملة، لأنه من دونها لا يتيسر فرض حظر خانق يجبرها على الرضوخ.
لكن مثل هذا الاحتمال ما زال أقرب إلى الحل النظري، على الأقل في الظرف الراهن. والحل العسكري غير وارد وعواقبه كبيرة. يبقى التعايش مع هذا الواقع، الخيار الوحيد المتاح. الساحة الأميركية تملك مظلتها الواقية غير المعروفة بعد فعاليتها.
لكن التمرد الكوري يعرقل التوجهات نحو خفض السلاح النووي، فضلاً عن الحدّ من انتشاره. وبذلك يعود الخطر النووي إلى دوامته المألوفة، ويعود التعامل معها إلى اللف والدوران حول الحقيقة العنيدة وهي أن الخلاص من هذا الشر المخيف لا يتحقق بغير مشروع دولي ملزم يرمي إلى تدمير هذا السلاح ولو بعد حين.
جعل امتلاكه امتيازاً ليس سوى تحريض لامتلاكه. احتكاره لا يشكل ضمانة، بزعم أنه سلاح رادع. بناء الدروع الواقية، حتى لو تمكنت التكنولوجيا الفريدة من انجازها؛ لا يفي بالغرض. فكيف إذا كانت لا تزال متعثرة. والتفجير الكوري خير مثال.
