الزحام الفضائي والتكنولوجيا الإلكترونية التي شهدتها السنوات الأخيرة حملا الكثير من العلماء على إطلاق الدعوات لتعزيز التعاون بين الدول التي غزت الفضاء، منعاً لتحويله إلى ساحة صراع من شأنه مفاقمة النزاعات الدولية القائمة أو التسبب بالمزيد منها. فالمساحة الفلكية التي تظلّل الأرض باتت مكتظة بالأقمار الصناعية .
يسرح فيها أكثر من ألف قمر، لأغراض مختلفة، تتراوح بين تقديم الخدمات المدنية المتنوعة، مثل البث الإذاعي والمرئي والملاحة والاتصالات والتقاط الصور وأحوال الطقس، وبين جمع المعلومات العسكرية والقيام بمهام تجسسيّة مختلفة. تملك هذه التشكيلة الفضائية حوالي خمسين دولة. منها 12دولة لديها القدرات الصاروخية اللازمة لحمل هذه التكنولوجيا ووضعها في مدارها الفلكي المطلوب. بقية الدول تشتري هذه الخدمة لأقمارها الخدماتية المدنية.
لكن هذه القدرات توسعت دائرتها، على المستويين الصاروخي والتكنولوجي. خاصة الشق العسكري منها. إنجاز أثار القلق لدى الدوائر الأميركية، من باب أن من شأن ذلك مضاعفة الأخطار الأمنية الدولية. لاسيما وأن السباق في هذا الحقل يشمل مناطق ساخنة مثل الكوريتين. ولو أن السباق الصيني الأميركي، الذي يسميه البعض بالحرب الباردة الفضائية بين واشنطن وبكين، يبقى الأهم والأكثر مدعاة لقلق الأميركيين.
فالصين سبق وأجرت تجربة عام 2010 على سلاح " لإسقاط الأقمار الصناعية ". كما أطلقت أخيرا مختبرها الفضائي الأول في رحلة لمدة عشرة أيام. يزيد من التوتر بينهما، احتدام ما يسمى ب " حرب الفضاء الإلكتروني " لاختراق برامج الكمبيوتر السرية. خاصة المتعلقة بالصناعة العسكرية وخطط وتصاميم الأسلحة التي يقول الأميركيون إنها تحمل بصمات بكين وأيضاً موسكو. علماً بأن واشنطن غير مقصّرة في مجال الاختراق هذا. بل هي كانت سبّاقة إليه. وما زالت تمارسه.
تراجع روسي
روسيا ،التي افتتحت عالم الفضاء قبل 55 سنة بإطلاق المركبة "سبوتنيك"، تراجع موقعها في هذا الحقل بدرجة كبيرة. فهي الآن لا تملك في هذا الميدان غير المحطة الفضائية بالإضافة إلى قاعدة لإطلاق الأقمار الصناعية للآخرين الذين تقدم لهم هذه الخدمة مقابل بدل مالي. حتى الأقمار الخاصة بمتابعة أحوال الطقس ليس لديها منها سوى ما يغطي 20% من المعلومات التي تحاجتها لهذا الغرض.
الباقي تشتريه من أقمار تملكها جهات أخرى. ومع أنها تملك البنية العلمية والتجربة للتطوير الفضائي، " إلا أنها تتطلع إلى الشراكة مع غيرها من البلدان المتقدمة في تكنولوجيا الفضاء " كما يقول الخبير جيمس أوبيرغ الذي عمل لأكثر من عقدين في وكالة "ناسا " الفضائية الأميركية. لكن واشنطن وحلفاءها لم يفتحوا هذا الباب بعد.
كذلك هي الحال مع الصين. فالقيود التي وضعها الكونغرس والبنتاغون تمنع حتى على مسؤولي " ناسا " ومكتب التكنولوجيا والعلوم في البيت الأبيض " التحدث مع نظرائهم الصينيين حول التعاون في مجال الفضاء، كما تحول دون مشاركة بكين في الاجتماعات العلمية الدولية ".
تحذيرات أميركية
ساهم هذا العزل في رفع وتيرة التأزم بين واشنطن والآخرين. خاصة مع الصين، المصممة على تحقيق المزيد من الانجازات الفضائية. وقد صدرت تحذيرات أميركية في الآونة الأخيرة مع التلويح بالرد العسكري على الأطراف التي تقوم "باعتداءات الكترونية ". طبعاً ليس من المتوقع أن تذهب واشنطن إلى هذا الحدّ مع بلد مثل الصين.
لكن ذلك يؤشر إلى مدى التوتر الذي بلغه التنافس على الفضاء وعبره والذي لا ترى أوساط علمية بديلاً عن التعاون لمنع تفاقمه وتحويل الفضاء إلى ساحة صراع جديدة واكثر خطورة. " إذا جرى التعامل مع الفضاء على أنه الموقع الأعلى الكاشف للأغراض العسكرية، عندئذ نصبح كلنا أمام مشكلة هائلة" يقول بيل ناي، رئيس " جمعية الكواكب الأميركية.
الفضاء حولته التكنولوجيا إلى قضية تشبه بأهميتها الكونية موضوع سخونة المناخ. كلاهما ملك جماعي ومسؤولية جماعية تحتاج إلى تضافر الجهود. السباق العسكري أنهك الجميع. نقله إلى الفضاء، وضاعف الكلفة والمخاطر. أميركا تحتل موقع القيادة في الفضاء عبر وكالة " ناسا ". وبعدما أوقفت مشروع المكوك الفضائي، أرسلت عربة إلى المريخ. مشروعها المقبل، نزول رواد فضاء على سطحه. لكن كل هذا التفوق لا يضمن الهيمنة ولا يغني عن التعاون، الذي يقول العلماء بانه علاوة على تعميم الفوائد يضمن تحييد الفضاء ويفسح المجال في وضعه تحت رقابة مشتركة.
