في السنوات الأخيرة صار اسم " درون "، الطائرة الموجهة عن بعد، أحد مفردات الحديث عن العمليات العسكرية. خاصة في أفغانستان ومنطقتها الحدودية مع باكستان. والآن تتقدّم هذه الطائرة بشكل ملفت لاحتلال مكانة رئيسية خلال المستقبل المنظور، في تركيبة سلاح الجو الأميركي ،بدورها وسرعة حضورها الميداني في النزاعات والحروب.

بل ربما قد تصبح البديل عن جزء كبير من مهام المقاتلات التقليدية، لمرونة استخدامها وملاءمتها لحروب الزمن الحاضر، التي تخوضها الولايات المتحدة مع " عدو لا عنوان له ولا ساحة محدّدة " لمنازلته فيها.

خاصة بعدما اكتوت بمغامراتها العسكرية التي بدأتها في العقد الماضي في أفغانستان، وبعدما فرض خفض الميزانية، بفعل العجز الفلكي، اللجوء إلى التعويض بالنوعية عن الغزارة في الإنفاق على سلاح الجو التقليدي.

فما بدأ يتكشف عن تطوير هذه الطائرة والتوسع في نشرها يشير إلى ثورة جارية في مفهوم هذا السلاح، ترمي البنتاغون من خلاله إلى تحقيق تفوق جوي كاسح، بأرخص التكاليف وبأقصى الفعالية.

تسارعت الخطى الأميركية في هذا الاتجاه، في ضوء حاجة مزدوجة، فرضتها حربا العراق وأفغانستان:1- تقليص الخسائر البشرية في صفوف قواتها المسلحة 2- التماشي مع متطلبات التقشف المالي الاضطراري بسبب تداعيات أزمة 2008.

تطوير سريع

"درون " ليست طارئة على المشهد العسكري. استخدمتها أميركا وغيرها من البلدان المتمكنة في صناعة التسليح. بدأت البنتاغون تجاربها على الصنف الاستطلاعي منها عام 2004. كانت واحدة من أدوات التجسس الفضائية. الحاجة أم الاختراع.

فوعورة حرب أفغانستان حفزت على تطويرها السريع. وجرى تنويعها فصارت استكشافية وقاذفة. التكنولوجيا الحديثة مكّنتها من تحقيق قدر هام من أغراضها، على الحدود الأفغانية الباكستانية، بقيادة وكالة الاستخبارات المركزية "سي أي ايه."

اليوم ينتقل هذا السلاح، خاصة التجسسي منه، إلى مختلف قطاعات الجيش الأميركي. سلاح البحرية بدأ في استخدامه. بعض بوارجه ومنها اثنتان في مياه الخليج، تحملان هذا النوع من طائرات المسح الاستطلاعي، التي لا يتجاوز ثمن الواحدة منها المئة ألف دولار.

وهي مجهزة " بتكنولوجيا بسيطة "، لكنها تقوم بدور الراصد "لمجمل التحركات الجارية على الساحة " المراقبة. يساعدها في ذلك حجمها الصغير طولها 4 أقدام ونصف وطول جناحيها عشرة أقدام والطيران على علو حوالي عشرين ألف قدم.

ويزيد من فعاليتها قدرتها على التحليق لمدة 24 ساعة وتزودها بوسائل التصوير الليلي. وتفيد المعلومات المنسوبة إلى مصادر عسكرية، بأن سلاح الجو الأميركي " يعتزم هذه السنة تدريب أعداد من الطيارين العاملين في قسم التحكم ب " الدرون " وتوجيهها عن بعد، أكثر من عدد الطيارين الذين سيعمل على تدريبهم لقيادة المقاتلات التقليدية " من إف 15 و16 و22.

تحوّل يشي بدخول مرحلة جديدة في حروب الجو، يصفها الخبير بيتر سينغر في مؤسسة بروكنغز للدراسات، بأنه " لا يقل في ثوريته عن أهمية دخول الطيران على سلاح البحرية، عبر حاملات الطائرات ".

ويضيف بأن البحرية قد تدفع باتجاه تطوير قدرات طائرة النحلة هذه لتمكينها " من اختراق دفاعات العدو والقيام بمهمات قتالية وعمليات قصف وغيرها مثل التشويش على أجهزة الاتصالات وتضليل شبكات الرادار ".

تحويل الطيارين

لقد أثار استخدام هذه الطائرة الكثير من الجدل، بسبب مخاطرها الكبيرة، خاصة على المدنيين. وكذلك لما قد يؤدي إليه من سباق تسلح في هذا الميدان، تصبح معه سلامة الأجواء مهدّدة بصورة يصعب ضبطها. لكن ذلك لم يلجم التوسع في هذا الاتجاه. إنتاج درون أو " النحلة " متسارع.

وكذلك تطويرها وتوسيع مهامها. عدد كبير من خريجي كليات الطيران الحربي الأميركية، يجرى تحويلهم، حسب آخر التقارير، نحو ال"درون ". من طيار جرى إعداده ليكون في قمرة القيادة، إلى طيار يدير طائرة صغيرة بجهاز التحكم عن بعد من غرفة عمليات تبعد آلاف الأميال عنها.

وثمة من يتوقع أنه حتى هذا الطيار غير المتحرك قد يجري الاستغناء عنه، إذا ما تواصل التطوير بحيث تصبح الطائرة مبرمجة أو ذاتية الحركة، والتوجه نحو جعلها تقوم بالوظائف كافة في ضوء ظروفها الميدانية. زمن جديد ومثير ومحفوف بالمخاطر في عالم الطيران العسكري. ولا يبدو أنه ببعيد.