فوجئ المراقبون في واشنطن بإعلان قمة أوباما قرضاي أخيراً، في واشنطن، عن تقديم موعد البدء بالمرحلة الانتقالية إلى الربيع المقبل، التي كان مقرراً أن تبدأ في الصيف، وذلك بنقل تدريجي للمهمات الأمنية إلى القوات الأفغانية، بمساندة ميدانية أميركية عند الطلب.

وتحريكها أشهراً قليلة، أوحى بأن كلاهما مستعجل لطي صفحة الحرب بصيغتها الراهنة، واستبدالها لتحل محلها صيغة أخرى أقل كلفة مادية وسياسية. ليس فقط لأن الارتياب المتبادل بين الجانبين كبير. لكن أساساً لحسابات واعتبارات خاصة بالاثنين وبظروف الحرب.

أوباما يريد أن يعطي الدليل العاجل بأنه جاد بالوفاء بوعده بمغادرة أفغانستان، كما كان بخصوص العراق. ثم هو يعرف أن هذه الحرب باتت مكروهة ومرفوضة في الساحة الأميركية. التفهم لدواعي شنّها في البداية تبخّر في ضوء تعثرها وأعبائها المتصاعدة.

خاصة أن هناك قناعة متزايدة في واشنطن، تبدأ في البنتاغون وتنتهي في الشارع الأميركي مروراً بجيش الخبراء والباحثين والمحللين ما عدا أوساط اليمين المكابر والأحادي النظرة بأن النصر الحاسم في هذه الحرب يدنو من الاستحالة.

الأسباب مختلفة، ميدانية وإقليمية. وقد أكّدتها مجريات العمليات العسكرية الأطول في تاريخ أميركا. وهذه بيئة داخلية تساعد الرئيس على الإسراع في تحقيق وعده بطي صفحتها.

كما أنه قصد من التعجيل، على ما بدا، أخذ المبادرة بامتلاك ورقة مساومة للتفاوض مع كابول حول عدد القوات التي ستبقى هناك بعد الانسحاب من الدور الميداني المباشر في 2014.

فللولايات المتحدة مصلحة استراتيجية بضمان منع عودة أفغانستان إلى حكم طالبان وتحوّلها إلى منصة انطلاق لـ "لقاعدة" ضدّ أمنها ومصالحها. وذلك لا يتوفر في المدى المنظور، حسب جميع القراءات الأميركية، سوى بوجود عسكري أميركي ما هناك بعد موعد الانسحاب.

حماية أميركية

من جهته، يريد الرئيس قرضاي أن يختم رئاسته الثانية المنتهة بعد عامين، بكونه الرئيس الذي أشرف على "إنهاء" الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية غير المنقوصة. لكنه في الوقت نفسه يدرك حاجته للحماية الأميركية. فهو يعرف أن المعادلة السياسية الأفغانية هشة، وأن الوضع الحكومي معجون بالفساد. واقع اعترف به في مؤتمره الصحافي مع أوباما، ووعد مرة أخرى بمواصلة العمل على التخلص منه.

كما يدرك أن القوات الأفغانية ليست جاهزة بعد لمواجهة التمرد وثمة من يقول إنها تحتاج إلى أكثر من عقد من الزمن لتصبح جاهزة قتالياً، ولتخليصها من عصبياتها وولاءاتها الاثنية. المعلومات المنسوبة إلى مصادر البنتاغون تفيد أن لواءً واحداً فقط، من أصل 23 لواء يتألف منها الجيش الأفغاني الفتي، بإمكانه خوض مواجهة عسكرية ميدانية وحده من دون مساندة أميركية.

حسابات سياسية

تقديم موعد الفترة الانتقالية، من الصيف إلى الربيع المقبل، حكمته حسابات سياسية ومناوراتية. من هنا جزء من الالتباس الذي رافقه. أسئلة كثيرة ما زالت بحاجة لتوضيح، خاصة لجهة وتيرة الانسحاب، ورسم استراتيجية محدّدة للمرحلة التي تليه، فضلاً عن تحديد حجم القوة "المساندة" التي تزمع واشنطن تركها بعد موعد المغادرة أواخر 2014. البنتاغون يضع العدد بين تسعة آلاف وعشرين ألف جندي. البيت الأبيض يسرّب أرقاماً بين 3 آلاف و6 آلاف.

بل إن مصادر البيت الأبيض تلوّح بـ "خيار الصفر". لكنه خيار مستبعد، الغاية منه التهويل لحمل كابول على المبادرة في طلب الاحتفاظ بشريحة من القوات، مع منحها الحصانة، خلافاً لما حصل في التفاوض مع العراق في مثل هذا الموضوع. تضارب الأرقام يعكس التباين في التقييم. كما يؤشر إلى غياب السياسة المطلوب من هذه القوات نقلها إلى حيز التنفيذ.

صورة مبهمة

هناك حالة تفكيك لواقع حرب قائمة، ومحاولة لتركيب بديل مصغّر عنها. وفي الاثنتين الصورة مبهمة. "هل هي خطة انتقالية فعلية أم تدبير لمخرج مموّه؟" كما يتساءل الخبير أنطوني كوردسمان، في أول تعليق له على قمة الرئيسين.

تساؤل شاركه فيه آخرون، ذهب بعضهم إلى حدّ التحذير من غرق أفغانستان في حرب أهلية تعيد فتح البلاد أمام "القاعدة" وغيرها من قوى التطرف، إذا خلا الانسحاب من صمامات أمان تكفل استمرار الانتقال السويّ المؤدي إلى تعزيز مسيرة بناء الدولة في أفغانستان.

 ومثل هذا الشيء مفقود حتى الآن. مع ذلك تبقى الأولوية لإدارة أوباما للانسحاب، ولو جاء على أرضية ترتيب ضبابي مفتوح على مخاطر جمّة، كما أوحت خلاصة القمة.