تعاملت واشنطن مع إعلان موسكو عن عزم قواتها البحرية القيام بمناورات غير مسبوقة بحجمها منذ الزمن السوفييتي، بالتقليل من شأنها. لكن ليس بالاستخفاف بها. فهي لا تتجاهل أن هذه الخطوة تشكل قفزة نوعية على طريق عزم روسيا على العودة إلى سابق حضورها في المياه الدولية. انعكس ذلك في ردود المسؤولين العسكريين المعنيين، كما في تعليقات الخبراء في هذا المجال.
إرباك الهيمنة الأميركية
تطور لا يستهان به، كونه من المقرر أن يجري في بحرين، المتوسط والأسود، في آن. كما انه يأتي كحلقة أولى من خطة كان الرئيس بوتين قد كشف عنها سابقاً لتجديد التسلح، تمتدّ حتى 2020 وبكلفة 659 مليار دولار، حسب أحد المراجع البحثية الأميركية. 45% منها من المقرر انجازه مع حلول 2015. ويشمل ذلك البحرية، بحيث تكون حصتها 45 قطعة بين بارجة ومدمرة وحاملة طائرات بالطاقة النووية وغواصة، تصبح جاهزة للخدمة في 2016. واللافت أكثر بالنسبة لواشنطن أن موسكو بوتين قرّرت إعطاء " الأولوية لتعزيز أسطولها العامل في المحيط الهادئ " وقاعدته في مدينة فلاديفوستوك في شرق روسيا. فهي تعتزم دعمه بحاملة مروحيات مصنوعة في فرنسا.
تطور معطوف على الصعود البحري الصيني في تلك المنطقة من العالم، لا ترتاح له واشنطن، ولو أنه ما زال بعيداً عن تحقيق التوازن مع بحريتها المتفوقة في النوع والكمّ. لكنه يربك الهيمنة البحرية الأميركية في تلك المنطقة. ولذلك عمدت واشنطن أوائل الخريف الفائت، إلى إضافة حاملتي طائرات مع مجموعتهما معدل 11 سفينة حربية متنوعة الوظائف في كل مجموعة إلى قوتها البحرية الضاربة في مياه شرق آسيا التي باتت مسرح عرض عضلات بحري اكثر من غيرها، نظراً لأهميتها الاستراتيجية المتزايدة، التجارية والعسكرية.
خطة التحديث
البحرية الروسية عريقة، وتعود إلى زمن القيصر بطرس الكبير في اواسط القرن السابع عشر. في عزّ الزمن السوفييتي، كانت قوة ضاربة وكان بإمكانها " مواجهة القوة البحرية الأميركية ". وحتى منتصف ثمانينات القرن الماضي، كانت لدى البحرية الروسية تشكيلة واسعة من السفن الحربية. أي حوالي 250 نوعا. أبرزها الغواصات التي كانت درة البحرية السوفياتية والتي وصل عددها إلى 170 في أوائل التسعينات. بعد أقل من عقدين هبط العدد إلى 50 غواصة عاملة بالطاقة النووية، منها 26 فقط في الخدمة الميدانية. ثم تقلّص إلى 44 قبل أربع سنوات. ووفق المعلومات عن خطة التحديث التي انطلقت في 2008، سينزل هذا العدد إلى عشرين بالطاقة النووية، نصفها مزود بصواريخ باليستية . اميركا تملك منها 14. تحجيم العدد لحساب النوعية.
تغيير المعادلة
بعد الانهيار السوفييتي، تدهورت هذه القوة بسبب فقر الصيانة وقلة الموارد وتراجع صناعة السفن الروسية. وتناقص حجم الأسطول الروسي إلى 25% مما كان عليه قبل الانهيار. بوتين قرّر تغيير المعادلة، حيث وعد منذ مجيئه عام 2000 بأن تكون روسيا على موعد مع " الزعامة الدولية في القرن الحادي والعشرين ". عائدات النفط والغاز الطبيعي والثروة المعدنية بأسعارها المرتفعة، وفّرت الوفرة المالية لموسكو. لكن " الاقتصاد الصناعي التعديني الروسي ما زال يلهث وراء قدرات الغرب " على ما جاء في نشرة " المعهد البحري الأميركي".
وبالتالي من غير السهل ترجمة رغبة التحديث في ظلّ هذا الوضع. ومن هذا المنطلق يقول قائد الأسطول السادس الأميركي المرابط في المتوسط إن مثل هذه المناورات لا تتعدّى كونها " عملا استعراضيا، ولو انه يستحق متابعتنا له، ونحن نراقبه في كل حال".
بمقاييس النوعية والكثافة، تبقى المسيرة طويلة أمام إعادة بناء القوة البحرية الروسية. تجاوز عوائق التكنولوجيا يلزمه بعض الوقت في أحسن الأحوال. وكذلك استدامة الموارد. ما تخصصه موسكو للتحديث العسكري العام حتى نهاية هذا العقد يوازي موازنة البنتاغون لعام واحد.
موسكو تدرك ذلك تماماً. مع ذلك تعتبر خطتها وتحركاتها البحرية نقلة نوعية. على الأقل بشأن ما تحمله من رسائل بأنها عازمة على توسيع تواجدها في المياه الدولية، إذا لم يكن لتحقيق شراكة نديّة مع أميركا فعلى الأقل لإرباك هيمنتها البحرية ولتحقيق حضور يرمز إلى قدرة روسيا على نقل نفوذها إلى خارج حدودها، وعرض عضلات قوتها أسوة بغيرها من القوى الكبرى، العملاقة منها والصاعدة. خاصة في وقت تسترجع فيه القوة البحرية أهميتها لأغراض استراتيجية تتراوح بين حماية خطوط الملاحة التجارية وبين ضمان سلامة الممرات المائية الحيوية، وانتهاء بنشر النفوذ والهيمنة على مناطق تدور على تخومها صراعات او مرشحة لصراعات تشكل مصالح حيوية للقوى الكبرى.
