في آخر تقرير لها، أوصت " المجموعة الاستشارية " التي يرأسها وزير الدفاع الأميركي الأسبق وليام باري والمرتبطة بوزارة الخارجية، بأن يجري التوافق مع موسكو على " خفض نووي متبادل كل بمفرده ولكن بالتنسيق بين الجانبين ، دون الحاجة لسلوك الصيغة التقليدية لإبرام المعاهدات الدولية وتعقيداتها وشروطها وصعوبة التصديق عليها من الكونغرس ". ولا يعكس هذا التوجه رأي اللجنة فحسب، بل ينسجم مع مقاربة الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته الجديد جون كيري، فضلاً عن تشك هايغل المتوقع تعيينه وزيراً للدفاع مكان ليون بانيتا.
وبهذا تكون التوصية بمثابة التمهيد لجولة جديدة من تقليص الترسانة النووية، يزمع أوباما وضعها على رأس قائمة أولويات إدارته الثانية. ومع أن سلوك هذا السبيل الملتوي له سوابق مماثلة في واشنطن، إلاّ أنه يشكل في ظروفه الراهنة ومستوى الخفض الذي ينشده خطوة فارقة وواعدة على طريق الطموح، الذي سبق وتحدث عنه أوباما، لتنظيف العالم من سلاح الإبادة هذا.
مشكلة مزمنة
مشكلة واشنطن ،وبالتحديد مجلس الشيوخ في الكونغرس، مع المعاهدات الدولية مزمنة. التصديق عليها تتحكم فيه غالباً، الحزازات السياسية، أو ثقافة التعالي على قواعد التكافؤ الدولية السائدة في صفوف المحافظين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من باب أن أميركا ليست كغيرها ولا ينبغي أن تخضع لغير قوانينها. الدستور الأميركي يجيز للرئيس أوباما إبرامها ،لكنه يوجب عرضها على مجلس الشيوخ للتصديق عليها بموافقة ثلثي أعضائه، 67 صوتًا، لتصبح نافذة وملزمة.
وهو نصّ المراد منه ضبط صلاحية الرئيس في هذا الخصوص بما يصون السيادة الوطنية والأمن القومي. لكن النصّ شيء وترجمته المطاطة شيء آخر. لذا سقطت معاهدات كثيرة. منها عسكرية مثل معاهدة منع استخدام الألغام الأرضية. ومنها غير عسكرية، مثل " كيوتو " المناخية. كما حظت اتفاقيات نووية وكيماوية وغيرها بتصديق مجلس الشيوخ، خلال الحرب الباردة ومنذ مطلع ستينات القرن الماضي.
بين الرفض والموافقة، استمر العمل أحياناً باتفاقيات من غير أن تتحول إلى معاهدات تتطلب تصديق مجلس الشيوخ، مثل سالت 1 أيام الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون. ومثل سالت 2 للحدّ من السلاح النووي، أيام كل من الرئيسين ريغان وكلينتون.
مقاربة الخفض
اليوم يتبلور مثل هذا التوجه من خلال توصية " اللجنة الاستشارية " التي ترى أنه من الأفضل مقاربة ملف الخفض بطريقة بسيطة، " تتخلص معها من تعثر المفاوضات المحكومة بحسابات الربح والخسارة السياسية وبمصاعب التصديق في مجلس الشيوخ ". فالأجواء في أوساط الدوائر المعنية بهذا الملف في واشنطن، من مراكز دراسات وخبراء في هذا الشأن، فضلاً عن أركان الإدارة، تعرف وعن قناعة بأن الترسانة النووية بحجمها الراهن، عبء مالي بحاجتها للصيانة والتجديد وفائض لا ضرورة له. بالنهاية هذا السلاح لن يستخدم إلاّ في حال الانتحار الطوعي. والأخطر أن تركها على حالها من شأنه تقويض الدعوة إلى محاربة انتشار أسلحة الدمار والتي لا تنفك واشنطن عن التشديد عليها.
على قاعدة هذا الواقع، بدأت إدارة أوباما الثانية بالتحضير لجولة تصغير إضافي للقوة النووية المتبادلة مع موسكو. ويتردد أن البيت الأبيض يعتزم طرح أرقام متزنة للنزول بالرؤوس الجاهزة الآن من 1550، بموجب ستارت 2 لعام 2010، إلى الألف، وحصر وسائل حملها الاستراتيجية بـ 700 فقط، إلى جانب التخلص كلياً من الأسلحة النووية التكتيكية، التي يمكن استخدامها في مسارح قتالية محصورة.
طرح هبّ المحافظون لتطويقه وإحباطه، عبر تحريض الكونغرس، ليس فقط على رفض التصديق على أية معاهدة يمكن التوصل إليها من هذا النوع . بل أيضاً على قطع الطريق أمام طرحها، من خلال ربط أي بحث في هذا الاتجاه بضرورة الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس. وكالعادة ينهض اعتراضهم على ذرائع ومزاعم خاوية، مع نشر التخويف من إقدام أميركا على مثل هذا الخفض غير المسبوق، باعتبار أن" مسؤولياتها هائلة لجهة حماية مصالحها كما لجهة دورها في الحدّ من الانتشار النووي ". وكأن قوة الردع النووي المطلوبة يجب أن تفوق قدرتها أضعاف ما يحتاجه تدمير الكوكب من رؤوس نووية. أو كأن احتكار هذا السلاح من جانب الكبار يساعد على الحدّ من انتشاره لدى الآخرين.
ومن المتوقع أن يمضي الرئيس أوباما في هذا التوجه، وبيده قضية متماسكة متوازنة. أن يقوى على تمريرها أو لا، فهذا يتوقف على مدى الرأسمال السياسي الذي يزمع توظيفه في هذا الملف. وقد تكون طريقه ميسورة لو وافق الروس ولو تمكّن حزبه من كسب مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ بانتخابات 2014 الفرعية.
