يطوي العام الآفل روزنامته على حصيلة دولية من نوع " ما كان في الإمكان أكثر مما كان ". وما كان جاء أقل بكثير من المرغوب أو المطلوب. مزيج من استمرار التعثر والتأزم المصحوبين بمخاطر الانزلاق إلى نتائج مدمرة. أمنية وإقليمية ومالية.
لكن في ظلّ المعطيات العامة القائمة وتعقيداتها وتراكماتها، ناهيك بتغييراتها العاصفة، ما أتى به وانتهى إليه 2012 كان بمثابة تحصيل حاصل. فالتحديات عاتية ومتداخلة.
تركة العقد الأول من القرن الحالي ثقيلة. تصفيتها بحاجة إلى وقت، في ضوء تشبث القوى المحافظة، خاصة في اميركا بأجنداتها الضيقة والمحدودة الأفق. ثم أن المرحلة كانت وما زالت انتقالية في أكثر من ساحة.
من أميركا إلى الشرق الأوسط مروراً بأوروبا والصين وروسيا. كان الثلاثة الكبار مشغولون بانتخاب قيادة جديدة أو التجديد لها. وغالباً ما كان يتردّد، خاصة في واشنطن؛ بأن عام 2012، وقت ضائع. ك
ل الملفات الخارجية مؤجلة لما بعد نوفمبر. بل العواصم الفاعلة الأخرى، كانت هي الأخرى بالانتظار ولحين ظهور نتائج الاستحقاق الأميركي. خليط الانشغال والانتظار، ساق إلى ترك الأمور على حالها.
رافقت ذلك أحياناً محاولات إرباك متبادل وعض على الأصابع بين الكبار، إما لتحسين المواقع وإما لتصفية حسابات عالقة، في ساحات الصغار. ينطبق ذلك على النزاعات المحلية ومخاضات " الربيع العربي "، كما على العلاقات بين الثلاثي الأكبر.
وأيضاً ينطبق على الساحة الأوروبية، التي ما زالت تنوء تحت وطأة أزمتها المالية الخطيرة. وبذلك استقرت الأزمات والمشكلات الواقفة على حافة الهاوية، في وضع يتراوح بين غرفة العناية الفائقة وبين عملية شراء الوقت. وبعدسة بعض المحللين الاستراتيجيين في واشنطن، فإن المعادلة هذه، على إرباكاتها ومخاطرها، لا تخلو من الفتحات الواعدة التي حملتها الأشهر الأخيرة من السنة التي نودّعها.
في مقدمتها عدم فوز ميت رومني وبالتالي عدم عودة المحافظين الجدد إلى الإمساك بدفة القيادة في السياسة الخارجية. فهذا لو حصل كان بحدّ ذاته وصفة لارتفاع درجة حرارة العلاقات الدولية. يضاف إلى ذلك مجيء قيادة صينية جديدة معروف عنها تفضيلها لترجيح كفة الاقتصاد على التصعيد الأمني.
ويرى كثير من المراقبين في واشنطن، ان عودة المقربين من الرئيس الأسبق جيانغ زيمين، المؤيد لمثل هذا التوجه، إلى موقع القيادة؛ يشي برغبة بكين في خفض منسوب التوتر الصامت أحياناً والمسموع غالباً، سواء حول قضايا المنطقة أو في العلاقة مع واشنطن. واكب ذلك في الآونة الأخيرة قدر من الحلحلة في العلاقات الأميركية الباكستانية.
بنتيجتها أفرج الكونغرس عن حوالي 650 مليون دولار مساعدات لإسلام أباد. الأمر الذي قد ينعكس على تسريع الانسحاب من أفغانستان ألتي تبقى بؤرة توتر، مفتوحة على المجهول بعد 2014. ويمكن وضع الإشارات الروسية الأخيرة، خاصة بشأن سوريا؛ في خانة السعي إلى خفض التوتر، لو جرى التعامل معها بقاعدة الأخذ والعطاء، التي يبدو ان موسكو تريد العمل بها.
حالة واعدة
يرى المحللون أن في هذه المستجدات ما يؤشر إلى حالة واعدة نسبياً. فالتأزم المتزايد في الشرق الأقصى، مرشح للهبوط. من علاماته سعي بكين في الآونة الأخيرة إلى كبح جماح بيونغيانغ، ولو أن مساعيها لم تكلل بالنجاح لحمل هذه الأخيرة على شطب، أو في أقله تأجيل، تجربتها الصاروخية.
كذلك يتردّد أن الرئيس أوباما العازم على بلوغ خفض نووي بحدود الألف رأس لكل من واشنطن وموسكو نزولاً من 1550 حالياً عازم أيضاً على البت بملف الدرع الصاروخية من خلال صيغة وسطية مقبولة لموسكو. كما تدفع دوائر براغماتية في واشنطن باتجاه المسارعة في ترميم العلاقات مع موسكو من خلال معالجة الملفات العالقة التجارية والاستراتيجية والإقليمية، معها.
خاصة الملف السوري الذي " لن تقوى أزمته على بلوغ مخرج ما لها بدون التعاون مع موسكو "، كما يرى كثيرون من المعنيين بشؤون السياسة الخارجية في واشنطن. ك
ما قد يساعد مثل هذا التعاون على تدبير صيغة مقبولة للنووي الإيراني، الذي لا ينفك المتابعون الأميركيون لأوضاع الشرق الأوسط على القول بأن هذا الملف يشكل مصدر الاهتمام بل الهمّ الضاغط الأول في أولويات الإدارة الجديدة.
مشروع الدولتين
الملفات الأخرى مؤجلة. منها ما هو متروك لعامل الوقت، كمشروع الدولتين. ومنها ما تتعامل معه واشنطن من موقع ضبط إيقاعاته وتوازناته، كالوضع المصري. لكن ديناميكية احداث المنطقة قد تخرج عن السيطرة بأسرع من المحسوب. ومعها قد تنهار كافة المراهنات والمحاولات إذا بقيت المحاولات في مسارها التقليدي الراهن، إزاء هذه الأزمات. سباق بين الأحداث والحلول والزمن
