قفزت قضية السلاح الصاروخي إلى صدارة الاهتمامات أخيراً، في واشنطن، بعد قرار «الناتو» نشر بطاريات «باتريوت» على الحدود التركية مع سوريا، ثم زادت مفاجأة بيونغ يانغ بإجراء تجربة ناجحة على صاروخ بعيد المدى، من حضور هذه التطورات، ما أثارته من ردود إيرانية ساخنة على الأول، وأميركية مرتبكة على الثاني. ويأتي ذلك في وقت عادت فيه سيرة شبكة الدرع الصاروخية الأميركية، المزمع نصبها في أوروبا الشرقية، إلى التداول كأحد أهم الملفات الخارجية المطروحة أمام رئاسة أوباما الثانية. خاصة وأن موسكو تضعها على رأس أولويات ملفاتها العالقة مع واشنطن وتعتبر حلّ عقدتها المدخل لتسوية علاقاتها مع أميركا وللدخول في صفقات شرق أوسطية مع هذه الأخيرة.
وهكذا نشأت ما يمكن تسميتها بـ«أزمة صواريخ» وتزامنت فصولها، على جبهات عدة وبخلفيات متنوعة ووسط مرحلة شديدة الالتهاب في الشرق الأوسط وعالية التأزم في الشرق الأقصى كما في علاقة واشنطن بروسيا. وإذا كان هناك من قاسم مشترك بينها، فهو أنها جاءت نتيجة لتعطّل الحوار وغياب المعالجات لجذور المشكلات والتحديات التي ولدتها. الأمر الذي يجعل بعض هذه الأسلحة، على الأقل، مصحوباً بخطر تسريع المواجهات. ولا يقلل من أخطار اللعب بورقة الصواريخ كونها «دفاعية» أو «مشروعة»، كما يدعي أصحابها. فمهما كانت صفتها تبقى مشحونة بعوامل التفجير، وإن لعبت دوراً رادعاً في بعض الحالات، أو أدت إلى تأجيل المواجهات إلى حين. وبذلك فهي أشبه بسباق بين الاحتمالين.
قرار نشر بطاريات صواريخ باتريوت 6 تحتوي كلّ منها على 16 منصة إطلاق كحدّ أقصى وتحمل المنصة 16 صاروخاً مضاداً للصواريخ بعيدة المدى على حدود تركيا مع سوريا، جاء بناء على حسابات لا تستبعد اندلاع حرب إقليمية بسبب الأزمة السورية. فهذا السلاح ليس مضاداً للطائرات الحربية السورية، التي اقتحمت الأجواء التركية، أخيراً. هناك مضادات أخف وأسرع وأقل كلفة ومتوافرة لدى الحلف وبالتالي لدى تركيا العضو فيه. «الباتريوت» الذي حلّ مكان «سام»، كان من الأساس سلاحاً مصمماً لصيد الصواريخ المقبلة. ولو أنه استخدم في منتصف الثمانينات كصاروخ مضاد للطيران.
ثم دخلت عليه تعديلات متقدمة وأصبح منذ 1988 سلاح التصدّي للصواريخ التكتيكية. وبعد إعادة تصميم منظومته متعددة الوظائف، صار، أخيراً، بمثابة الدرع الواقية من الصواريخ بعيدة المدى وبدقة عالية وعلى بُعد يصل إلى 15 كلم. والمعروف أن «الناتو» وافق على نشر هذا السلاح في تركيا بعد أن طفت مسألة السلاح الكيميائي السوري على السطح، وبعد أن ارتفع منسوب التوتر التركي الإيراني، ولاحت في الأفق احتمالات وقوع احتكاك ما بينهما. تعزّز هذا الاعتقاد في ضوء الرد الإيراني العنيف على نصب «الباتريوت»، والذي وصل إلى حدّ التهويل «بحرب عالمية ثالثة».
وفيما كانت الردود تدور حول زرع هذه الشبكة في تركيا، فاجأت كوريا الشمالية أميركا والعالم بتجربتها الصاروخية، من حيث توقيتها ونجاحها. كان الاعتقاد أن بيونغ يانغ تتجه نحو تأجيل الإطلاق بناء على نصيحة صينية. لكن محاولات هذه الأخيرة لم تثمر. ويتردد في واشنطن أن بكين «منزعجة» من المضي في التجربة، التي حصلت غداة مغادرة المسؤول الصيني للعاصمة الكورية الشمالية، عائداً من وساطته الخائبة.
التفسيرات الأميركية للقرار الكوري متعددة. تتراوح بين كونه جاء ليعزّز موقع الزعيم الجديد وصورته خاصة تجاه العسكريين، وبين ربطه بالذكرى السنوية الأولى لرحيل والده، مروراً بكونه استمراراً لسياسة الابتزاز الكورية الشمالية الرامية إلى تحقيق أكثر من غرض اقتصادي ونووي وإقليمي. لكن مهما كان الغرض، فهو بالنسبة لواشنطن وإلى حدّ ما للصين صداع متجدّد ينذر بمخاطر كبيرة.
ذلك أن النظام الكوري يسرع الخطى نحو امتلاك تكنولوجيا الصواريخ البالستية. في أبريل الماضي فشل في تجربة مماثلة. لكنه صححها بعد ثمانية أشهر. والخشية أن يمرر هذه التكنولوجيا إلى الآخرين كما مرّر تكنولوجيا النووي والصواريخ، على علاّتها. وما يربك واشنطن أنه لم تبق لديها أوراق لمعاقبة بيونغ يانغ. العقوبات الاقتصادية مكتملة. وقرارات جديدة في مجلس الأمن لن تسمح بها بكين على الأرجح. أما العقوبات فلم تردع كوريا التي لم تكترث بالقرارات الدولية السابقة التي تمنعها من مواصلة السعي والتطوير في المجالين الصاروخي والنووي. لكنها مستمرة في هذه الطريق غير آبهة بالعواقب.
الأزمات الجديدة صاروخية على جوقة «الباتريوت» في الشرق الأوسط، والباليستي في الشرق الأقصى، والدرع الواقية تنتظره شرق أوروبا. وكلها تنذر بمزيد من التعقيد والعواقب الخطيرة في ساحاتها المختلفة.
