للمرة الأولى بعد الحرب الباردة ، يقف مسؤول أميركي بوزن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ليعلن على الملأ وبحضور نظيرها الروسي؛ أن موسكو تعمل "لسوفيتة المنطقة" وإحياء هيمنتها السابقة.

تعبير شبه منسي ومشحون بحساسيات ومخاوف قديمة، خاصة أوروبية، استحضرته هيلاري كلينتون في كلمتها أمام القمة السنوية لـ"منظمة الأمن والتعاون الأوروبي" التي انعقدت في مدينة دبلن بأيرلندا أخيرا.

واكتمل مشهد العودة هذه بردّ الوزير لافروف على خطابها بنفس لغة التراشق القديم ، ولو في إطار صراعي جديد ليس من الصنف التناحري المنقضي، لكنه يعكس مدى التأزم المتراكم بين العاصمتين. لاسيما في الآونة الأخيرة، بعد أن انسحبت موسكو من عدة اتفاقيات مع واشنطن اتفاقية حماية وتفكيك بقايا أسلحة الدمار في الجمهوريات السوفييتية السابقة ووقف برنامج وكالة التطوير الأميركية في روسيا .

وقبل أيام أوقفت استيراد اللحوم الأميركية. وقد جاء هذا المسلسل ردّاً على ما تراه موسكو تدخلاً في شؤونها من بوابة حقوق الإنسان في روسيا، فضلاً عن مشروع شبكة الدرع الصاروخية الأميركية الواقية المزمع نصبها في أوروبا الشرقية.

آثار سلبية

وصول الخطاب إلى هذا المستوى من التوتر بين واشنطن وموسكو ،وفي مثل هذا الملتقى الأمني التعاوني الهام الذي شاركت فيه 58 دولة، ترك آثاره السلبية الفورية كما تبدّى ذلك في المباحثات العقيمة التي جرت بين كلينتون ولافروف على هامش القمة بشأن سوريا كما أرخى بظلاله على أجواء المؤتمر وتطلعاته المأمولة، بخصوص قضايا الأمن والتعاون الأوروبيين واستطراداً الدوليين. بل أن هذا التأزم أخذ يهدّد المنظمة ذاتها والغايات التي كانت وراء إنشائها، أوائل الربع الأخير من القرن الماضي.

ولدت "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" والمعروفة باسم "اتفاقية هلسنكي النهائية" لعام 1975 من رحم الحرب الباردة، كحصيلة للمفاوضات السياسية التي تمّ التوافق على عقدها إلى جانب مفاوضات حول الأسلحة التقليدية في أوروبا بين الرئيسين نيكسون وبريجينيف سنة 1972. نهضت على مبادئ تكفل اجتناب الحروب في القارة، على رأسها احترام السيادة والحدود والامتناع عن اللجوء إلى القوة وحلّ النزاعات بالطرق السلمية وغيرها من الضمانات التي جرى الالتزام بها للحفاظ على السلام. كما تضمنت بنوداً عديدة بشأن التعاون على مختلف الأصعدة الاقتصادية والتجارية والعلمية وشؤون البيئة وغيرها من المحالات التي تعزّز علاقات التقارب المبنية على المصالح المتبادلة.

وبموازاة ذلك توصلت المفاوضات العسكرية إلى صيغة تحقق معها تقليص حجم الأسلحة التقليدية على المسرح الأوروبي، من جانب حلفي "الناتو" و "وارسو" آنذاك.

رد روسي

"معاهدة القوات التقليدية في اوروبا" المتعلقة بالشق العسكري والتي جرى التوقيع عليها عام 1990، أعلنت موسكو منذ عام 2007 انسحابها منها. جاء ذلك رداً على توسيع "الناتو"، كما على استخدام واشنطن لقواعد عسكرية في بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة.

كما اقترحت روسيا استبدال الشق السياسي، أي "منظمة التعاون والأمن في أوروبا" بصيغة جديدة للأمن الأوروبي، دون الجانب السياسي.

لكن أميركا اعترضت على التغيير لرغبتها في توظيف المنظمة كمدخل لمطاردة موسكو بموضوع حقوق الإنسان الذي يثير حساسية خاصة لدى روسيا. وهنا عقدة الخلاف وأحد أسباب التنافر بينهما.

تصعيد سياسي

الإدارة الأميركية نبشت سيرة الاتحاد السوفييتي ودفاتره القديمة وتشبيه نظام بوتين بها، من باب التصعيد السياسي وتحريك مشاعر الحذر والارتياب تجاه موسكو بوتين بغية التضييق عليها وحملها بالتالي على تليين المواقف وتخفيف التعامل "الخشن" مع سائر الملفات، الثنائية منها والدولية. خاصة الأزمة السورية. ردت موسكو خلال المؤتمر بلغة اتهامية مماثلة، من خلال التذكير بالدرع الصاروخية وبفتح ترسانات الأسلحة التقليدية على مداها "بما يهدّد أمن المنطقة "، مع محاولة الهيمنة على منظمة الأمن والتعاون.

واقع الحال أن الولايات المتحدة تمارس الهيمنة أينما تيسّر لها. واعتراض موسكو لا ينبع إلاّ من كونها إما متضررة أحياناً من هذا النهج الأميركي وإما لأنها غير قادرة على نسخ ولو قدر منه. لذلك هي تمارس المشاكسة. ومن هنا توقعات مرجعيات أميركية كبيرة في حقل السياسة الخارجية بأن العلاقات الروسية الأميركية أمامها مسافة وعرة قبل أن تعود إلى الطريق السويّ. بل هي محكومة بمثل هذه العودة، كما يقولون؛ على أرضية أن الخلافات تنافسية وليست عدائية تناحرية كما كانت في السابق. لكن حتى ذلك الحين سيبقى تسديد جزء كبير من فاتورة هذه الخلافات على عاتق الآخرين الذين تحولوا إلى ملاعب يتبارى فوقها الفريقان الأميركي والروسي.