منذ قدومه إلى البيت الأبيض أخذ الرئيس الأميركي باراك أوباما على عاتقه إزالة آثار عقيدة الرئيس السابق جورج بوش الدفاعية، القائمة على الاجتياح العسكري المباشر. على هذا الأساس، خرج من العراق وخطط لمغادرة أفغانستان، بعد حوالي سنة. كان بديله سياسة المطاردة التجسسية والمسلحة للخصم. وقد لعبت طائرات " درون " من دون طيار، دوراً أساسياً في تنفيذ هذه السياسة، من خلال طلعاتها الاستطلاعية وعملياتها الموضعية المباغتة بقصف عناصر طالبان والقاعدة في أفغانستان. ثم تمدّدت ساحة هذا السلاح القليل الكلفة، لتصل إلى شمال إفريقيا. وتولّت وكالة السي أي ايه، الاضطلاع بهذه المهمة العسكرية، التي يقول المسؤولون الأميركيون أنها أعطت نتائج باهرة.
على هذه الخلفية، كشفت تقارير منسوبة إلى مصادر رسمية بأنه هذا التوجه جرى تعزيزه عبر رفد وكالة الاستخبارات المركزية، بالقدرات التجسسية لشعبة المخابرات العسكرية في البنتاغون؛ بعد أن جرى تطوير هذه الأخيرة وتوسيع نشاطاتها من خلال عناصرها الموزعة على الملحقات العسكرية في السفارات الأميركية في الخارج.
في السابق كان لكلا الوكالتين مجالها واستقلال عملها عن الأخرى. في عهد بوش الابن، جرت محاولات لتوسيع دائرة عمل المخابرات العسكرية. لكنها تسببت بتحريك الحساسيات بين هذه الشعبة والسي أي ايه، كما تردّد في حينه. مع مجيء أوباما، حصل نوع من تبدّل المواقع: تعسكرت الأخيرة أكثر مع التركيز على تطوير تجسسية الأولى؛ وذلك انسجاماً مع عقيدة الحرب السرية.
في ضوء ذلك، ارتفعت أصوات التحذير من مخاطر الشطط في سلوك هذا السبيل. فقد أعرب بعض الخبراء والباحثين عن مخاوفهم من احتمال أن تؤدي عسكرة السي أي ايه، من خلال إشرافها على حرب ال" درون "، إلى انشغالها عن وظيفتها التقليدية الأصلية. إضافة إلى ذلك، تكررت التحذيرات من التمادي في هذا الدور. خاصة بعد أن تزايدت الاعتراضات والشكاوى من " انتهاكات " الطائرة الصامتة، سواء لجهة الخسائر التي توقعها في صفوف المدنيين، أو لجهة الارتباكات التي تتسبب بها في اختراقها لخطوط الطيران المدني في عدد من المناطق التي تعمل فيها.
ثم جاءت استقالة بترايوس المعروفة ملابساتها، لتضع السي أي ايه مرة أخرى في وسط الضوء وتطرح علامات استفهام حول الانعكاسات السلبية الممكن أن تتركها ظروف مغادرته على الوكالة. خاصة في وقت باتت فيه " حمولتها أكبر من ذي قبل ".
في ظل هذا الوضع يأتي الكشف عن تكامل العمل بين الوكالتين، أكثر من أي وقت مضى؛ ليعزّز الثقة ويسدّ الفجوات في العمل التجسسي، على ما يرى المراقبون. فما تقوى مخابرات البنتاغون على القيام به في هذا المجال يصبّ في تعويض جانب يصعب على "لانجلي " مقر السي أي ايه في ضواحي واشنطن ، تحقيقه؛ حسب ما نسب إلى المصادر المعنية قوله. فالأولى " قادرة أكثر على التحرّي عن التفاصيل العسكرية "، بحكم مهنيتها. وتقول هذه المعلومات إن المخابرات العسكرية بدأت " في تجنيد وتوزيع العناصر اللازمة، العسكرية والمدنية بشكل خاص لتسهيل تحركها، على الملحقيات العسكرية في السفارات الأميركية في الخارج؛ لتنفيذ المهمة المخابراتية الموسعة التي انيطت بها وبما يمدّ شبكة التجسس البشري بالمزيد من القدرات. تطور يشي باحتمال وجود " خلل " في نشاط السي أي ايه كما أوحت بذلك عملية بنغازي جاءت تقوية المخابرات العسكرية للتعويض عنه. وقد جرى تقديم هذا التطور في التنسيق والتكامل بأنه كان حصيلة تعاون " أعطى نتائجه " وبما اقتضى تفعيل دور البنتاغون في هذا الحقل، " مع ترك الإمرة في نشاطات التجسس العسكري بيد "لانجلي "؛ اجتناباً لتداخل الصلاحيات ووحدة المرجعية.
الحصة الإفريقية
الجديد في هذا التطور، أن مخابرات البنتاغون المفروزة لبعض المراكز في أفريقيا الشمالية وغيرها من النقاط الخطيرة، قد: " ترافقها عناصر من القوات الخاصة "، تكون جاهزة للتحرك عند الطلب. والمعروف أن الشمال الأفريقي نال حصته من التركيز في الآونة الأخيرة، بعد التحولات في مالي والهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي الذي راح ضحيته السفير مع ثلاث دبلوماسيين والذي لم تنته تداعياته السياسية حتى الآن. كما أن هذا التعزيز لدور المخابرات العسكرية مرتبط بالانسحاب المقرر من أفغانستان في 2014 والذي لم تحسم الإدارة بعد بخصوص حجم ودور القوات المزمع تركها هناك بعد هذا التاريخ القريب. لكن المحسوم أن الدور القتالي الواسع غير وارد. وبذلك تبقى عمليات الاستطلاع والتجسس العمود الفقري لبقايا التواجد الأميركي في أفغانستان ما بعد الانسحاب.
