يطمح الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي فاز بتجديد ولايته، بتحقيق إنجاز تاريخي من العيار الثقيل، يكون بمثابة تركة ترتبط باسمه. أوباما لا يشذ عن القاعدة. فطموحاته الداخلية كبيرة، لكن دونها عوائق سياسية أكبر.

خاصة في الكونغرس. لذلك فهو مضطر إلى أن يتطلع في رئاسته الثانية إلى الخيارات الخارجية. وهي عديدة. أقربها، الخفض النووي مع روسيا. الخيارات الأخرى، خاصة في منطقتنا، شائكة ومتعذرة في ضوء المعطيات الراهنة، التي تتطلب مواجهات كاسرة لا تتوفر في شخصية أوباما شروط خوضها.

عالم نظيف

من البداية، صوّب أوباما باتجاه تقليص ترسانة هذا السلاح. تحدث عن التأسيس لعالم نظيف منها. في عامه الثاني، حسم اتفاقية ستارت الثاني للخفض مع الروس. كاد الفريق الجمهوري المحافظ في الكونغرس، المسكون ببقايا عقلية الحرب الباردة، والمهووس بالتخريب على أوباما، أن يطيح بها من خلال رفض التصديق عليها.

وفي آخر لحظة تمّ إنقاذها، من باب أنها تخدم مصلحة أميركا وليس روسيا فقط، وأن السلاح النووي المكدّس في القواعد الثابتة والمتحركة بات عبئاً بحجمه الراهن، أكثر مما هو ضمانة، ولا مجال لاستخدامه. فكلفة صيانته باهظة من غير مردود، ثم إنه بات ذريعة لانتشار نووي في غير مكان في العالم، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر مصيرية.

سبق ووعد الرئيس، العائد بتفويض لا يستهان به، مواصلة مسيرة الخفض. فريقه التفاوضي مع الروس، رفع إليه، أخيراً، توصياته في هذا الخصوص. يتردد أن من المقترحات المطروحة، «خفض عدد الرؤوس النووية الجاهزة للإطلاق، من ألف وخمسمئة وخمسين، حسب ستارت 2، إلى ألف فقط». هبوط لافت وغير مسبوق، في غضون سنتين.

كما من المتداول، «تحويل نظام الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية من صواريخ ناقلة لعدة رؤوس، إلى نظام صاروخي حامل لرأس واحد فقط». تحول صارخ، لو حصلت ترجمته، في السعي إلى المزيد من الخفض.

يضاف إلى ذلك، وفق ما يقول توماس بيكيرينغ، السفير والمعاون الأسبق لوزير الخارجية للشؤون السياسية، إن هناك «خطوتين يمكن البحث بشأنهما: 1- تفكيك وتدمير معظم، أو ربما كافة، الرؤوس الاحتياطية الأربعمئة، مع عدد كبير من هذه الرؤوس الاحتياطية في الجانب الروسي.

2- تحديد سقف معين لعدد الأسلحة النووية التكتيكية، ولأول مرة، مع ترك الخيار مفتوحاً لدمجها بالرؤوس الاستراتيجية الألف المقترحة». يواكب ذلك، كما يرى بيكيرينغ، «إزالة ما تبقى من الأسلحة النووية التكتيكية المرابطة بالقرب من خطوط المواجهة السابقة في أوروبا.

وإذا أرادت روسيا الاحتفاظ بأسلحتها من هذا النوع، فعليها سحبها إلى ما وراء منطقة الأورال. أما أميركا فيمكنها إزالة هذه الأسلحة أو استعادتها إلى الأرض الأميركية».

في هذا الخصوص، لا بدّ من تطمين الحلفاء في الناتو بشأن سحب هذه الأسلحة، التي كان لها دورها في حماية الأمن الأوروبي.

معالجة التوترات

في موازاة ذلك، يرى الخبراء، أنه لا بدّ من معالجة الملفات التي ساهمت في توتير العلاقات «في شمال القوقاز، وبموازاة حدود أوكرانيا ومالدوفيا، إضافة إلى الخلاف الروسي الياباني حول جزر الكوريل، من دون إغفال القضايا العالقة بين روسيا والناتو بشأن القضايا الأوروبية والإقليمية، فضلاً عن مسائل التعاون الاقتصادي والتجاري، التي يمكن أن تؤدي إلى تطوير العلاقات مع روسيا، لو واصلت موسكو عملية الإصلاح الداخلي».

عند هذا المفصل، وبعد التجديد للرئيس، صوّت مجلس النواب قبل أيام على مشروع قانون بتطبيع العلاقات التجارية بين روسيا وأميركا، مع ما ينطوي عليه ذلك من خفض التعرفة الجمركية، نقضاً لقانون 1974، الذي كان قد ربط مثل هذا التطبيع بتسهيل هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل.

هذا هو الجانب الإيجابي، أما السلبي بالنسبة لروسيا، فيتمثل في التصويت على هذا المشروع في الذكرى الثالثة لوفاة الناشط الروسي سيرجي ماغنتيسكي في سجنه بموسكو «بعد أشهر من التعذيب»، واعتماد مجلس النواب تسمية القانون باسمه. الأمر الذي أغاظ موسكو.

والمعروف أن الإدارة كانت قد سعت، عبر مفاتيحها في الكونغرس، إلى نسف هذا الربط بين القانون واسم الناشط، حتى لا ينعكس ذلك سلباً على محاولات تحسين العلاقات. والآن، أصبح القانون معروضاً أمام مجلس الشيوخ للتصويت عليه.

تصويت مجلس النواب جاء على خلفية الرواسب العالقة منذ الحرب الباردة. الرئيس أوباما عازم، حسب مصادر إدارته، على تسوية العلاقات، وبما يفسح المجال أمام صفقة خفض غير مسبوق في عدد الرؤوس النووية. أمامه سنة ونصف، أو ما يقارب، حسب التقديرات، لترجمة هذا الخفض. الفرصة سانحة. فالتوجه يحظى بالتأييد الواسع. وزخم التجديد يمكّن الرئيس من التقدّم باتجاه، ليس فقط الخفض، بل أيضاً في اتجاه المزيد من حلحلة العلاقات مع موسكو.